روى الطبري (19/352)مصدر غير محدد١٩/٣٥٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: قال السحرة: {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} بدلاً وتفسيراً وبياناً لـ {رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ وذلك أنهم فطنوا لمكر فرعون ودهائه، وخافوا أن يقول فرعون للملأ وللناس: إنما يعنونني أنا؛ فإني أنا رب العالمين وأنا ربكم الأعلى! فقالوا صراحة قاطعة: إنا نعني رب موسى وهارون الذي أرسلهما بالمعجزات، لا فرعون ولا آلهة القبط المزعومة!
قال ابن كثير (6/146)مصدر غير محدد٦/١٤٦: "أتبعوا قولهم: {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} بقولهم: {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} لقطع دابر التدليس والتضليل الفرعوني؛ لئلا يدعي فرعون أنه هو المراد بذلك، كما كان يدعي في أوهامه؛ فبينوا أن إيمانهم هو بالإله الحق الذي أرسل موسى وهارون".
بين القرطبي (13/114)مصدر غير محدد١٣/١١٤: في هذا التقييد ذكاء عقائدي خارق من السحرة؛ قطع كل حيلة على فرعون، وحسم المفاصلة التامة بين دين التوحيد ودين الشرك والكهانة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{رَبِّ}: بدل من "رب" الأولى في قوله: {بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} مجرور بالكسرة (أو عطف بيان)، ورب مضاف.
{مُوسَىٰ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
{وَهَارُونَ}: معطوف على موسى مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاحتراس العقدي المحكم: جاء هذا التوصيف كبدل توضيحي لغلق كل ثغرة في جدار المعركة الفكرية؛ فلم يدعوا لفرعون أي مساحة للمراوغة أو الادعاء.
رد الاعتبار لموسى وهارون: الشخصان اللذان كانا متهمين بالسحر والجنون والخيانة الوطنية في الصباح، صارا هما معيار الإيمان الصادق والمتبوعين في التوحيد في المساء: {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إحباط ألاعيب التضليل السياسي والديني:
تكشف الآية يقظة المؤمنين الجدد لمكر الإعلام الفرعوني؛ فالطواغيت بارعون في ركوب موجات التغيير وإعادة تأويل الشعارات الثورية أو الدينية لتصب في صالح عروشهم؛ فلما قال السحرة: {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} سارعوا فوراً لتحديد البوصلة: {رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}، حتى لا يستطيع الطاغية تجيير هذا الإيمان لصالحه.
مشروعية تعليق الإيمان برسل الله ورسالاتهم:
الإيمان بالله الحق لا يصح إلا بالإيمان برسله وما جاؤوا به؛ فرب العالمين هو الذي أرسل موسى وهارون بالفرقان، ومن كفر برسل الله فما آمن برب العالمين.
عطف البيان والبدلية: لزيادة التقرير والوضوح وإزالة أي إبهام أو اشتراك لفظي.
الجمع بين موسى وهارون: اعتراف بفضلهما معاً وبرسالتهما المشتركة، وإنصاف لهارون في أداء الرسالة إلى جانب أخيه كليم الله.
تدبر سرعة الفقه الإيماني: هؤلاء السحرة لم يمضِ على إيمانهم إلا لحظات، ومع ذلك رزقهم الله فهماً دقيقاً وفطنة عقدية نافذة تفوق كبار المتكلمين؛ لأن الإيمان الصادق يفتح ينابيع الحكمة في القلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدقة والوضوح في المصطلحات العقدية: تجنب الألفاظ المجملة أو الفضفاضة التي قد يستغلها أهل الأهواء، والصدع بالعبارات الواضحة المحددة التي تميز الحق من الباطل.
موالاة الرسل والمصلحين الصادقين: إعلان الانتماء الصريح لموكب الأنبياء وأتباعهم، ورفض التنازل أو المواربة تحت أي ضغط سياسي.
بركة العلم الصادق: أن يحرص المسلم على أن يكون علمه مقروناً بالبصيرة واليقظة، ليكون سداً منيعاً أمام حيل المضللين.