روى الطبري (19/321)مصدر غير محدد١٩/٣٢١ عن ابن عباس والشعبي وقتادة ومجاهد: {مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} الزوج: الصنف والنوع والشكل، والكريم: الحَسَن البهي المبهج، النافع الذي ينتفع به الناس والدواب؛ وقيل: الكريم هو الكثير النفع والبركة من الثمار والزروع والأشجار.
قال سفيان الثوري رحمه الله: "الزوج الكريم: هو الحسن، وكل ما كان فيه نفع وبركة وخير فهو كريم؛ والناس كذلك: فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم".
قال ابن كثير (6/136)مصدر غير محدد٦/١٣٦: "أي أو لم ينظر هؤلاء المكذبون إلى الأرض التي جعلها الله مهاداً، كم أنبتنا فيها من أصناف النبات والزروع والثمار والأشجار مما هو بهيج المنظر، طيب الطعم والريح، عظيم المنافع؟! وكل ذلك دال على كمال قدرة الخالق العظيم ووحدانيته".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوَلَمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والواو عاطفة على مقدر (أغفلوا ولم يروا)، و"لم" حرف نفي وجزم وقلب.
{يَرَوْا}: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل. والرؤية هنا قلبية تتعدى بـ "إلى" لتضمينها معنى النظر والاعتبار والتفكر.
{إِلَى الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "يروا".
{كَمْ}: اسم تكثير مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لـ "أنبتنا"، أو في محل رفع مبتدأ، والجملة معلقة للرؤية القلبية عن العمل.
{أَنبَتْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ "أنبتنا".
{مِن كُلِّ زَوْجٍ}: جار ومجرور في محل نصب تمييز لـ "كم" التكثيرية، وزوج مضاف إليه مجرور. والزوج: الصنف والنوع والنظير.
{كَرِيمٍ}: نعت لـ "زوج" مجرور بالكسرة؛ والكرم في النبات: حسنه، وكثرة منافعه، وزكاء ثمرته وطيب رائحته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحول من الحجاج السمعي إلى البرهان العياني: بعد أن أعرضوا عن الآيات السمعية المقروءة في القرآن واستهزؤوا بها، لفت أنظارهم إلى الآيات الكونية المنظورة في الأرض التي يطؤونها بأقدامهم ويأكلون من خيراتها كل يوم؛ لإلزامهم بالحجة من واقع مشاهداتهم اليومية.
التمهيد للبعث والنشور: إخراج أصناف النبات المتباينة الألوان والطعوم والروائح من أرض ميتة واحدة وماء واحد هو البرهان الحسي الأكبر على قدرة الله على إحياء الموتى وإعادتهم للحساب والجزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز النباتي والتنوع الحيوي:
محاكمة عقلية تبطل فرضية الصدفة والمادية العمياء؛ فكيف تنبت الأرض الواحدة، وتُسقى بالماء الواحد، ثم تخرج آلاف الأصناف النباتية المتباينة (أزواجاً متباينة) في كيميائها، وأشكالها، وقيمتها الغذائية والدوائية والجمالية؟!
إن هذا التنوع البديع والتزاوج الدقيق في عالم النبات يستحيل أن يصدر إلا عن خالق عليم حكيم، مقدر قادر، لا إله إلا هو.
وصف النبات بـ "الكريم" ودلالته البيئية:
إبراز البعد الجمالي والنفعي في خلق الكون؛ فالنبات ليس مجرد مادة عضوية صامتة، بل هو كائن كريم خلقه الله بحسن وإتقان لخدمة الحياة وإدخال البهجة والسرور على النفوس.
الاستفهام التوبيخي {أَوَلَمْ يَرَوْا}: لتوبيخهم على غفلتهم وتبلد حواسهم؛ إذ يمرون على المعجزات الباهرة في الأرض صباح مساء دون أن تحرك فيهم تفكراً أو إيماناً.
التكثير بـ {كَمْ}: لإفادة الكثرة الهائلة التي لا يحيط بحصرها إلا الله من أصناف الزروع والثمار والكائنات الحية في مملكة النبات.
الاستعارة في وصف النبات بـ {كَرِيمٍ}: استعارة صفة الكرم الإنسانية للنبات للدلالة على وفرة عطائه، وطيب منبته، وجمال مظهره، وسخاء ثماره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إحياء عبادة التفكر في الطبيعة والنبات: النظر في الحدائق والمزارع بعين الاعتبار والتدبر لعظمة الصانع سبحانه، وتغذية الوجدان بالجمال الرباني المبثوث في الأرض.
شكر نعم الغذاء والزروع: استشعار كرم الله في تنويع الأقوات والأرزاق، ومقابلة هذا الكرم الإلهي بالشكر والإنفاق وحسن استغلال الموارد الزراعية.
الاتصاف بخلق الكرم: أخذ العبرة من النبات الكريم؛ فالمؤمن كالشجرة الطيبة والنبات الكريم يفيض بالخير والنفع والعطاء لكل من حوله، ولا يرى منه الناس إلا جميلاً.