روى الطبري (19/391)مصدر غير محدد١٩/٣٩١ عن قتادة ومجاهد: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي إن في نبأ إبراهيم وحجاجه مع أبيه وقومه وتجريده للتوحيد وما صار إليه أمر المشركين في الآخرة لعبرةً عظيمة ودلالةً قاطعة على وحدانية الله وصدق رسله وبطلان عبادة الأوثان، وما كان أكثر قوم إبراهيم بمصدقين له ولا متبعين لدعوته رغم وضوح البرهان.
قال ابن كثير (6/156)مصدر غير محدد٦/١٥٦: "أي إن في هذه القصة والنبأ لعبرة وعظة للمعتبرين، وبرهاناً ساطعاً على صدق الرسل وبطلان الشرك؛ ومع هذا البيان المعجز ما آمن أكثر قومه، بل أصروا على عنادهم وحاولوا إحراقه بالنار فنجاه الله وجعلهم الأسفلين".
قال السعدي (ص 595)مصدر غير محدد٥٩٥: "هذه الآية تتكرر في ختام كل قصة في هذه السورة؛ لبيان أن العبرة قائمة والحجة بالغة، ولكن موانع الهوى والكبر تصد أكثر الخلق عن الإيمان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
{فِي}: حرف جر، {ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل جر بـ {فِي}، واللام للبعد والكاف للخطاب؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر {إِنَّ} مقدم؛ والإشارة إلى نبأ إبراهيم ومناظرته وما تضمنته من دلائل التوحيد ومشاهد القيامة.
{مُّؤْمِنِينَ}: خبر {كَانَ} منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة معطوفة أو حالية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار اللازمة القرآنية الراتبة في ختام القصص:
وردت هذه الآية والآية التي تليها بعد قصة موسى (الآيتان 67 و68)، وتكررت هنا بعد قصة إبراهيم (الآيتان 103 و104)، وستتكرر بعد كل قصة من قصص السورة (نوح، هود، صالح، لوط، شعيب)؛ كترجيع موسيقي وإيقاع تربوي مهيب يربط بين حلقات القصص القرآنية ويرسخ قاعدتين عظميين:
قيام الحجة والآية الباهرة على صدق الرسالة.
خذلان الأكثرية وعماها عن اتباع الحق؛ تسليةً للنبي صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً للمؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كسر صنمية الكثرة العددية:
شبهة متكررة: "لو كان ما تدعو إليه يا محمد حقاً لاتبعك أكثر الناس وأشرافهم، ولكن الكثرة على خلافك"!
الرد القرآني الحاسم المتكرر: الكثرة العددية ليست معياراً للحق والصواب؛ فالأكثرية في ميزان الوحي كثيراً ما تنحرف عن الهدى لاتباعها الشهوات والتقاليد ({وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ})؛ فالحق يُعرف بذاته وبراهينه لا بعدد سالكيه، والآية قامت ووضحت ولو كفر بها أهل الأرض جميعاً.