أخرج الطبري (19/417)مصدر غير محدد١٩/٤١٧ عن قتادة والسدي في قوله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ}: لما قال المشركون إن محمداً يأتيه رئي من الجن كالشعراء والكهنة، قال الله تعالى لهم محاججاً ومبكتاً: هل أخبركم بالصنف الذي تتنزل عليه الشياطين وتلقي إليه وسواسها وتخاليطها؟ ليس محمد منهم في شيء.
وقال ابن كثير (6/171)مصدر غير محدد٦/١٧١: "يقول تعالى مخاطباً لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول ليس بحق، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رئي من الجن: نزه الله نبيه وبرأه من ذلك، وبيّن أن الشياطين إنما تنزل على من يشاكلهم من الكذابين الفجرة".
وقرر القرطبي (13/146)مصدر غير محدد١٣/١٤٦: "الاستفهام هنا تقرير وتوبيخ للمشركين، وإيذان بأن صفات من تنزل عليه الشياطين مبائنة تمام المباينة لصفات الرسول الصادق الأمين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{هَلْ}: حرف استفهام دخل هنا لتقرير وتنبيه المخاطبين وتشويقهم لسماع النبأ الفاصل.
{أُنَبِّئُكُمْ}: الإنباء هو الإخبار بالأمر العظيم ذي الشأن والبال، المشتق من النبأ لا مجرد الخبر.
{تَنَزَّلُ}: أصله تتنزل، وحذفت إحدى التاءين للتخفيف، والنزول فيه معنى الهبوط والتسلط الشيطاني.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{هَلْ}: حرف استفهام مبني على السكون.
{أُنَبِّئُكُمْ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا، والكاف مفعول به أول في محل نصب، والميم للجمع.
{عَلَىٰ}: حرف جر متعلق بـ {تَنَزَّلُ}.
{مَن}: اسم موصول أو استفهامي مبني في محل جر بـ "على". وجملة {تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} سدت مسد المفعولين الثاني والثالث لـ {أُنَبِّئُكُمْ} لتضمن الفعل معنى العلم والإخبار.
{الشَّيَاطِينُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال إلى الهجوم الحجاجي بعد الدفاع والتنزيه:
في الآيات (210-212) بدأ بنفي باطلهم: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ}، وهنا انتقل النظم العبقري إلى قلب الطاولة عليهم ومحاصرتهم بالاستفهام التقريري: إذا نفينا نزولها على محمد، فتعالوا لتروا على من تنزل الشياطين حقاً!
وهذا أسلوب حجاجي مفحم ينقل الخصم من موقع الطاعن المفتري إلى موقع المتهم المفضوح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المقارنة العقلية الفاصلة بين النبوة والكهانة:
الشبهة: زعم المشركون أن القرآن سحر أو كهانة أو شعر ألقته الشياطين.
المحاكمة العقلية: تعالوا نقارن بين مواصفات متلقي الوحي ومواصفات متلقي الشياطين؛ النبي عُرف فيكم بالأمانة والصدق ومكارم الأخلاق طيلة أربعين عاماً، بينما من تنزل عليه الشياطين كذاب فاجر فاسد العقل والسلوك. فكيف يلتبس عليكم هذا بهذا إلا بمحض المكابرة والعمى؟!