الترجيع الثاني للازمة السورة بعد قصة موسى في الآثار:
روى الطبري (19/365)مصدر غير محدد١٩/٣٦٥ عن قتادة ومجاهد والحسن: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً} أي إن فيما قصصنا عليك يا محمد من أمر موسى وفرعون، وإظهار المعجزات بالعصا واليد، وانفلاق البحر، وإنجاء المؤمنين، وإغراق فرعون وجنوده، لدلالة قاطعة وعبرة بالغة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؛ {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي ومع هذه الآية العظيمة المشهودة لم يكن أكثر قوم فرعون بمصدقين، ولم يؤمن أكثر كفار قريش حين سمعوا هذا النبأ العظيم.
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "تكرار هذه الآية بعد قصة موسى بياناً لأن هذه القصة تتضمن آية باهرة وبرهاناً ساطعاً على صدق رسالة موسى ونصرة الله لأوليائه وهلاك أعدائه؛ ومع هذا البيان الجلي فإن أكثر الناس لا يصدقون ولا ينتفعون بالآيات لعنادهم وقسوة قلوبهم".
بين القرطبي (13/124)مصدر غير محدد١٣/١٢٤: هذا الترجيع هو التعقيب الحاسم على أول وأطول مشهد قصصي في السورة، ليعود بالقارئ إلى المحور المركزي: سنة التكذيب وسنة النصر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{فِي ذَٰلِكَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إن مقدم، واسم الإشارة عائد على ما ذُكر من تفاصيل قصة موسى وفرعون والنجاة والغرق.
{لَآيَةً}: اللام المزحلقة للتوكيد، "آية" اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة؛ ونُكرت للتعظيم والتهويل (آية باهرة عظيمة كبرى).
{وَمَا}: الواو حالية أو استئنافية، "ما" نافية.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص.
{أَكْثَرُهُم}: اسم كان مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{مُّؤْمِنِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ختم المشهد الموسوي بالميزان القرآني: ارتبط هذا الختام تمام الارتباط بمطلع السورة في الآية (8)؛ ليوضح أن عبرة التاريخ البشري تطابق تماماً عبرة الآفاق والكون؛ فالبراهين ناصعة قاطعة ولكن أكثرية الناس محجوبون بالهوى.
التمهيد لقصة الخليل إبراهيم عليه السلام: مهد هذا التعقيب للانتقال إلى القصة الثانية في السورة: قصة إبراهيم مع قومه في الآية (69): {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كفاية الدليل وعمى المستكبرين:
الآية تؤكد أن المشكلة في التكذيب ليست قلة المعجزات ولا غموض الأدلة؛ فحادثة انفلاق البحر وإغراق فرعون أعظم آية حسية يمكن أن يراها إنسان؛ ومع ذلك لم يؤمن أكثرهم، مما يبرهن على أن الإيمان هداية توفيق وانقياد اختياري، لا ينفع معه تعنت المعاندين.
تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في مكة:
رسالة طمأنة وتثبيت للقلوب؛ إذا رأيتم أكثر كفار قريش يكذبون ويستهزئون، فتذكروا أن أكثر قوم فرعون كذبوا برغم رؤية البحر ينفلق كالجبال! فلا تحزنوا ولا تيأسوا.
توكيد الخبر بـ "إن" واللام {إِنَّ... لَآيَةً}: لقطع دابر الشك في كون ما جرى هو آية إلهية كبرى لا مجال لتفسيرها بصدفة أو طبيعة.
التعبير بـ {أَكْثَرُهُم}: دقة وإنصاف قرآني معجز؛ لم يقل "وما كانوا مؤمنين" بالتعميم، بل استثنى القلة التي آمنت (كسحرة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، والمستضعفين من بني إسرائيل)؛ لتقرير ميزان العدل.
تدبر مآلات الأمم: التاريخ ليس حركات عشوائية، بل هو سجل حافل بالآيات والعبر لمن أراد أن ينجو بسفينته في الدنيا والآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات والاستمرار برغم قلة المهتدين: ألا يشعر الداعية بالإحباط والوهن حين يرى أكثر الناس منصرفين عن الاستجابة للحق؛ فتلك سنة بشرية مضت في الأمم السابقة.
استخراج الدروس والعبر من قصص القرآن: تدريب النفس على ألا تمر على قصص القرآن كأساطير تاريخية مجردة، بل تستخرج منها سنن الله في النصر والهزيمة والتمكين.
الحذر من الوقوع في فخ الأكثرية المعاندة: مراجعة المسلم لمواقفه دائماً ليكون في صف القلة المؤمنة الناجية، لا في صف الأكثرية الغافلة الهالكة.