روى الطبري (19/418)مصدر غير محدد١٩/٤١٨ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} أي فلما انقضت الأيام الثلاثة التي أنذرهم إياها صالح، جاءتهم صيحة جبريل من السماء ورجفة الأرض من تحت أقدامهم، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين صرعى هامدين موتى كأن لم يغنوا فيها؛ {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي وإن في إهلاكهم بهذه الصيحة وإنجاء صالح والمؤمنين لدلالة وعبرة ظاهرة، وما كان أكثرهم بمصدقين.
قال ابن كثير (6/161)مصدر غير محدد٦/١٦١: "أخذتهم الرجفة والصيحة العظيمة التي أزهقت نفوسهم في ساعة واحدة، فلم يبقَ منهم باقية؛ ونجى الله صالحاً ومن معه من المؤمنين برحمته".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَخَذَهُمُ}: الفاء عاطفة تفيد سرعة وحتمية وقوع الجزاء؛ {أَخَذَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{الْعَذَابُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ و(أل) للعهد الذهني، وهو العذاب الموعود المتقدم ذكره في قوله: {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إنجاز الوعيد الإلهي بدقة متناهية:
قال صالح في الآية 156: {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ}، فقال الله هنا معقباً على عقرهم: {فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ}؛ فجاء الفعل بنفس الصيغة وبتمام التحقق؛ ليتبين صدق النبي وكذب المكذبين وسقوط جبروتهم في قبضة الأخذ الإلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الجواب: أهلكهم بـ "الصوت" (الصيحة) و"الموجات الترددية التدميرية" (الرجفة)؛ والصوت يخترق أصلب الصخور ويدخل في المغارات والسراديب دون أن يعترضه حاجز؛ فتمزقت به طبلات آذانهم وتصدعت شرايين قلوبهم وماتوا جميعاً داخل حصونهم دون أن ينهار حجر واحد على رؤوسهم! فكان سلاح الإهلاك مناسباً تماماً لغرورهم بتحصيناتهم الصخرية.
التعبير بـ {فَأَخَذَهُمُ}: استعارة مكنية؛ صور العذاب وكأنه عملاق باطش أو أسد مفترس أطبق على فريسته فانتزع أرواحهم بلا مقاومة.
تعريف {الْعَذَابُ}: للتهويل وتجسيد العذاب المنتظر الذي طالما كذبوا به.
تدبر مشهد الصمت بعد الصخب: مدائن كاملة كانت تعج بالحياة والمهارة ونحت الصخور والزروع، سكتت في لحظة واحدة وصارت مقبرة جماعية هادئة؛ فما أهون الإنسان حين يتمرد على خالقه!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مصير الطغيان الحتمي: كل قوة مادية لا تخضع لشرع الله فنهايتها إلى البوار؛ ولا عاصم من أمر الله لا جبل ولا حصن ولا سلاح.
الاعتبار بقصص الأولين: قصة ثمود آية حاضرة باقية تتلى إلى قيام الساعة ليعلم كل مستكبر أن الله بالمرصاد.