براعة ثمود الهندسية في نحت بيوت الجبال وأشرهم وبطرهم:
روى الطبري (19/413)مصدر غير محدد١٩/٤١٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: في قوله تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} قراءتان وتأويلان:
وقرأ ابن عامر وعاصم (في رواية أبي بكر) وحمزة والكسائي: {فَرِهِينَ} بغير ألف بوزن (فَعِل) وهي صفة مشبهة تدل على الأشر والبطر والمرح والخيلاء، أو على الحذق المستمر.
قال ابن كثير (6/160)مصدر غير محدد٦/١٦٠: "النحت: هو النقر والقطع في الصخر؛ وكانت بيوتهم في الجبال الشواهق، ينحتونها نحتاً عجيباً بالغة الإتقان والزخرفة؛ {فَارِهِينَ} أي حاذقين ماهرين بنحتها وبنائها، وقيل: أشرين بطرين متباهين".
قال القرطبي (13/118)مصدر غير محدد١٣/١١٨: "جمع الله لهم بين النعمة بالزروع والعيون، والنعمة بالمهارة في نحت الجبال؛ فكانوا يفرغون الجبال الصلبة ويجعلون في داخلها قصوراً وغرفاً ومجالس، فاستكبروا بذلك وظنوا أن الجبال تعصمهم من قدر الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَتَنْحِتُونَ}: الواو عاطفة، {تَنْحِتُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والنحت: قشر الصخر والخشب وبريه وتسويته على شكل مخصوص.
{فَارِهِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنها جمع مذكر سالم من فاعل {تَنْحِتُونَ}؛ والفاره في اللغة: الحاذق المتقن لصنعته، أو البطر النشيط المتباهي بقوته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة المعمارية بين عاد وثمود:
عاد كانت تبني المصانع والصروح الشامخة بالآجر والحجارة المنقولة ({أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً})، أما ثمود فارتقوا في الهندسة المدنية خطوة أبعد: فصاروا ينحتون بيوتهم في أصل الصخر الجبلي الثابت؛ فكان بناؤهم أشد متانة ومناعة، ولكن كبرياءهم كان أشد صلفاً وغروراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عجز الصخور الصماء أمام صاعقة السماء:
محاكمة أثرية وهندسية كاشفة: ظنت ثمود أن سكنى قلب الجبل يوفر لهم الأمان المطلق من الزلازل والرياح والأعداء؛ ولكن هل حمتهم صخور الجبال من أمر الله؟!
الجواب القرآني الحاسم: أرسل الله عليهم "صيحة واحدة" من السماء ورجفة من تحتهم، فتقطعت قلوبهم في صدورهم وماتوا داخل غرفهم الجبلية المحكمة دون أن يسقط عليهم حجر واحد! فبقيت بيوتهم الصخرية الفارغة شاهدة على تفاهة التحصين المادي إذا حارب الإنسان ربه: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا}.
تقديم الجار والمجرور {مِنَ الْجِبَالِ} على المفعول {بُيُوتًا}: لإظهار الإعجاز والمهارة؛ فالجبال الشامخة الصلبة تحولت بأيديهم إلى بيوت لينة ممهدة.
دلالة الجمع بين القراءتين المتواترتين {فَارِهِينَ} و{فَرِهِينَ}: تعطي المعنيين معاً بإعجاز؛ فهم "حاذقون متقنون للبناء والتشييد" (فارهين)، وفي الوقت نفسه "بطرون أشرون مغترون" (فَرِهين)؛ فالمهارة التقنية اقترنت بالسفه الأخلاقي.
تدبر مشهد مدائن صالح: بيوت الحجر المنحوتة التي يراها المسافرون اليوم بآثارها وتجاويفها وأعمدتها المزخرفة، تنطق بلسان الحال: "لا عاصم اليوم من أمر الله".
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم الانبهار بالحضارات المادية الخاوية من الإيمان: مهما بلغت الأمم المعاصرة من ناطحات السحاب وحفر الأنفاق وتقنيات البناء، فهي هباء إذا خلت من توحيد الله ومخافته.
النهي عن الدخول في ديار المعذبين إلا مع البكاء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين مروا بالحجر ديار ثمود: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ" (رواه البخاري 433).