دلالة إفراد "رسول" في التثنية وسياق المواجهة في الآثار:
روى الطبري في جامع البيان (19/328)مصدر غير محدد١٩/٣٢٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي فأتيا هذا الطاغية في مجلس ملكه، وقولا له بلسان واحد: إننا أرسلنا الله إليك؛ ولم يقل "رسولا" بالتثنية بل قال "رسول" بالإفراد، لأن الرسول هنا اسم جنس أو مصدر موضوع موضع الرسالة، كما يقال: هؤلاء القوم عدل ورضا، أو لأن رسالتهما واحدة ودعوتهما متحدة فكأنهما شخص واحد في أداء الرسالة.
قال ابن كثير (6/139)مصدر غير محدد٦/١٣٩: "أي أعلنا له هذه الحقيقة الصادعة دون مواربة؛ إننا مبعوثان من رب العالمين، وخالقه وخالق آبائه الأولين؛ وقوله {رَسُولُ} كقوله في طه: {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ}، فالرسول هنا مفرد أريد به التثنية أو هو مصدر بمعنى الرسالة، أي إنا ذوو رسالة رب العالمين".
بين القرطبي (13/97)مصدر غير محدد١٣/٩٧: في الجمع بين آية الشعراء بالإفراد {إِنَّا رَسُولُ} وآية طه بالتثنية {إِنَّا رَسُولَا}: أن المعنى متطابق؛ فهما رسولان من جهة الذات، ولكنهما رسول واحد من جهة اتحاد المنهاج والشريعة والغاية، وفيه إشارة إلى تضامنهما التام وتلاشي حظوظ النفس بين الأخوين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأْتِيَا}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر (إذا علمتما معيتي فأتيا)، ائتيا فعل أمر مبني على حذف النون، وألف الاثنين فاعل.
{فِرْعَوْنَ}: مفعول به منصوب بالفتحة ممنوع من الصرف.
{فَقُولَا}: عطف على "ائتيا"، فعل أمر وألف الاثنين فاعل.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و"نا" ضمير متصل اسمها في محل نصب.
{رَسُولُ}: خبر إن مرفوع بالضمة، وهو مضاف. والرسول هنا اسم جنس مفرد وضع موضع المثنى، أو مصدر بمعنى رسالة (فعيل بمعنى مفعول كحبيب بمعنى محبوب).
{رَبِّ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة وهو مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ والعالمون كل ما سوى الله من الموجودات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من التوجيه الإلهي إلى مباشرة التنفيذ: بعد أن نزع الله الخوف من قلب موسى بكلمة {كَلَّا} وأمده بالمعية والآيات، رسم لهما خطة اللقاء والعبارات الأولى التي يجب النطق بها فور دخول القصر؛ ليدخلا بروح الواثق المستعلي بربه.
البداءة بصفة الربوبية للعالمين: البدء بوصف {رَبِّ الْعَالَمِينَ} لنسف ادعاء فرعون الكاذب بالألوهية في أول جملة؛ فقبل أن يعرضا مطالبهما، أسقطا شرعية حكمه الذاتي وأخضعاه لسلطان الخالق المطلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز النحوي والبلاغي في إفراد {رَسُولُ}:
رد المحققون على من يظن أن الإفراد سهو لغوي؛ فاللغة العربية الفصحى تعامل المصادر وما في معناها معاملة المفرد لجميع الأعداد، قال الشاعر: "ألا أبلغ بني عمرو رسولاً... بأني عن فتاحتكم غني"، أي رسالة.
المعنى العقدي أدق: اتحاد المصدر والوحي والهدف بين موسى وهارون يجعل رسالتهما واحدة غير قابلة للتجزئة أو التفريق، فلا اختلاف في منهاجهما.
الصدع بالحق في مواجهة الاستبداد:
تعطي الآية درساً في منهجية مخاطبة الطغاة؛ فلا تبدأ الدعوة بالمداهنة أو الاعتراف بالألقاب الشركية، بل بالتعريف بالمرجعية الإلهية العليا التي يخضع لها الحاكم والمحكوم على السواء.
الإيجاز في {إِنَّا رَسُولُ}: يعطي انطباعاً بالقوة والصلابة والتركيز؛ فالرسول المفرد يوحي بوحدة الصف وتطابق الكلمة.
الإضافة إلى {رَبِّ الْعَالَمِينَ}: إشعار لفرعون بضآلته؛ فملكه على إقليم مصر وجريان الأنهار من تحته لا يمثل شيئاً في ملكوت رب العالمين الذي يحكم السماوات والأرض والمجرات.
تدبر أدب الامتثال: مسارعة موسى وهارون لتنفيذ الأمر الإلهي فور زوال الشك، والتوجه المباشر إلى عرش الطاغية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توحيد الخطاب في العمل الدعوي الجماعي: وجوب اتفاق الدعاة والقادة على كلمة واحدة ومنهج واضح عند مخاطبة الجماهير أو مواجهة الخصوم، وتجنب الخلافات العلنية التي تضعف الصف.
الاستعلاء بالإيمان أمام أصحاب القوة: أن يدخل الداعية على ذوي السلطان معتزاً بربه العزيز، مع احترام الأدب والحكمة، دون ذلة أو نفاق.
ربط الأمة بمرجعية رب العالمين: تذكير المجتمعات والأنظمة بأن المرجعية العليا والتشريع المطلق هو لرب العالمين وحده لا شريك له.