روى الطبري (19/399)مصدر غير محدد١٩/٣٩٩ عن قتادة ومجاهد: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} أي قال نوح بعد أن يئس من إيمانهم وبعد أن بلغوا غاية العناد والتهديد بالرجم: يا رب، إن قومي أصروا على تكذيبي ورد رسالتي ولم يبق فيهم رجاء لإجابة الحق بعد هذه القرون المتطاولة.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "شكا نوح عليه السلام قومه إلى ربه عز وجل، كما قال في الآية الأخرى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}؛ فلما استنفد كل وسائل البلاغ وقابلوه بالتهديد بالرجم، لجأ إلى نصيره ومعينه".
قال السعدي (ص 596)مصدر غير محدد٥٩٦: "شكوى العبد المضطر إلى ربه ليست جزعاً، بل هي استنصار بالحق وتفويض للأمر لمن بيده ملكوت كل شيء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماضٍ وفاعله مستتر.
{رَبِّ}: منادى مضاف بحرف نداء محذوف، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء مضاف إليه.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{قَوْمِي}: اسم {إِنَّ} منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل الياء، والياء مضاف إليه.
{كَذَّبُونِ}: فعل ماضٍ مبني على الضم لاتصاله بالواو، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، والياء المحذوفة لرسم المصحف ضمير في محل نصب مفعول به؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر {إِنَّ}؛ وجملة النداء وما بعدها مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحول من مخاطبة الخلق إلى مناجاة الخالق:
حين أغلق المكذبون باب الحوار وهددوا بالرجم والقتل ({لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ})، انقطع الكلام معهم وتوجه نوح بكليته إلى السماء: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ}؛ تعليماً للأمة أن الداعية إذا سُدت في وجهه أبواب الأرض، فتحت له أبواب السماء بالدعاء والالتجاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا شكى نوح تكذيبهم والله عليم بحالهم؟
الجواب: هذا من باب إظهار الافتقار، وبث الحزن والشكوى إلى الله تذللاً وخضوعاً، وتقديم الحجة الشرعية قبل طلب العقوبة؛ ليعلم أن هلاكهم لم يكن بتعجل من نوح ولا بظلم من الله، بل بعد استيفاء البلاغ وظهور التكذيب القاطع الذي لا رجعة فيه كما أوحى الله إليه: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ}.
النداء بـ {رَبِّ} دون حرف نداء: لفرط القرب والاضطرار والأنس بالرب السميع المجيب.
إضافة القوم إلى نفسه {قَوْمِي}: استدرار للرحمة وإشعار بعظم المصاب؛ فهم قومه وعشيرته الذين حرص على نجاتهم تسعمائة وخمسين عاماً، فكان تكذيبهم أشد وقعاً على فؤاده.
توكيد الخبر بـ {إِنَّ}: تقرير لحقيقة واقعة لا مراء فيها بعد أن قامت الحجة عليهم.
تدبر أدب الشكوى: الشكوى إلى الله عبادة وقوة، والشكوى إلى الخلق مذلة وضعف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملاذ المكروبين: كلما تكالبت قوى الشر على أهل الإيمان وضاق بهم الفضاء، فإن حصنهم الحصين هو رفع الأكف إلى رب العالمين قائلين: {رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ}.
الصبر حتى استنفاد الأسباب: لم يدعُ نوح على قومه إلا بعد قرون طويلة من الصبر والأذى؛ فالداعية لا يتعجل الهلاك على المدعوين بل يستفرغ وسعه في النصح.