إعلان نوح القاطع برفض التنازل عن رفقته للمستضعفين:
روى الطبري (19/398)مصدر غير محدد١٩/٣٩٨ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} قالوا: طلب كبراء قوم نوح منه أن يطرد هؤلاء الفقراء والمستضعفين من مجلسه ومحيطه ليفردوا له مجلساً خاصاً بهم ويؤمنوا به، فرد عليهم نوح رداً قاطعاً مؤكداً: ما أنا بطارد أحداً صدق بالله ورسوله ووحد ربه إرضاءً لشهواتكم وأهوائكم وكبريائكم.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "كأنهم سألوه أن يبعدهم عنه ليجلسوا إليه ولا يخالطوهم، فأبى عليهم ذلك وقال: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ}؛ كما قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}".
قال السعدي (ص 596)مصدر غير محدد٥٩٦: "هذا جواب حاسم لطلبهم الفاسد؛ فالمؤمن شريف بإيمانه عزيز بربه، وموالاته واجبة، وطرده محرم في شرع الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو عاطفة، {مَا}: نافية تعمل عمل (ليس) عند أهل الحجاز، أو مهملة عند بني تميم.
{أَنَا}: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما) الحجازية (أو مبتدأ).
{بِطَارِدِ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي؛ {طَارِدِ}: مجرور لفظاً بالباء وعلامة جره الكسرة، منصوب محلاً على أنه خبر (ما) (أو خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة)، وهو اسم فاعل مضاف.
{الْمُؤْمِنِينَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم (من إضافة اسم الفاعل لمفعوله)؛ ومجموع الجملة مستأنفة مقررة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصمود أمام المساومات والابتزاز الطبقي:
لما عرض الملأ مساومتهم الخبيثة المستبطنة في قولهم: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} (بمعنى: اطرد هؤلاء حتى نؤمن لك)، جاء رده صريحاً حاسماً: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ}؛ للدلالة على أن مبادئ الدين وحرمة المؤمنين ليست محلاً للمساومة والمقايضة من أجل كسب وجهاء الباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حرمة التضحية بالمؤمنين الصادقين لجلب المترددين:
محاكمة دعوية ومنهجية: قد يظن بعض الدعاة بسذاجة أن طرد الفقراء أو التنازل عنهم مؤقتاً مصلحة دعوية لكسب كبار القوم ونصرة الدين بهم!
حسم القرآن القاطع في سيرة نوح ومحمد عليهما الصلاة والسلام: نصرة الدين لا تكون بظلم أوليائه وإهانة الصادقين؛ فالبركة والنصر مع الضعفاء والمخلصين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟!" (رواه البخاري 2896)؛ فطردهم خيانة لعهد الله وانتكاس في المنهج.
تأكيد النفي بالباء الزائدة في خبر النفي {بِطَارِدِ}: إفادة لامتناع الطرد امتناعاً مطلقاً لا يقبل مراجعة ولا تفاوضاً.
التعبير بـ {الْمُؤْمِنِينَ} بدلاً من "هؤلاء" أو "أتباعي": تعليق للحكم بالوصف المشتق؛ أي ما دامت صفتهم العظمى هي "الإيمان"، فهم أكرم من أن يطردوا؛ فالإيمان هو وسام الشرف الذي يحميهم.
تدبر وفاء النبوة: نوح عليه السلام يحمي أتباعه الفقراء بصلابة، ويجعل مصيره مرتبطاً بمصيرهم في الدنيا والآخرة وفي الفلك المشحون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات على نصرة الضعفاء: لا يجوز التخلي عن الشباب المؤمن والمستضعفين لإرضاء أصحاب النفوذ أو القوى السياسية المعاندة.
قيمة الرابطة العقدية: الإيمان هو الرابط الوحيد الذي يجمع القلوب؛ فمن كان مؤمناً فهو أخونا ووليلنا ولو كان أفقر الناس وأضعفهم نسباً.