برهان شروق الشمس وغروبها ومناسبة العقل في المأثور:
روى الطبري (19/338)مصدر غير محدد١٩/٣٣٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {قَالَ} موسى عليه السلام مجيباً بحجة باهرة تسقط تهمة الجنون وتردها على نحورهم: رب العالمين هو {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} الذي يجري الشمس والقمر والكواكب من مشرقها إلى مغربها بنظام دقيق لا يتخلف ولا يتبدل، {وَمَا بَيْنَهُمَا} من الآفاق والأفلاك والخلائق؛ {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} أي إن كانت لكم عقول تميزون بها بين الحق والباطل، والمجنون حقاً هو من يدعي الربوبية وهو عاجز عن تغيير حركة شروق شمس واحدة أو حبسها!
قال ابن كثير (6/142)مصدر غير محدد٦/١٤٢: "هذا البرهان الثالث العظيم؛ أراهم أن الإله هو الذي صرف هذا الفلك الدوار؛ يُطلع الشمس من مشرقها ويغربها في مغربها، مسخرة بأمره لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً؛ فمن قدر على ذلك فهو المعبود وحده؛ وإن كنتم ذوي عقول فاعلموا أن من يدعي الربوبية وهو عاجز عن ذلك فهو الساقط العقل المجنون".
بين القرطبي (13/106)مصدر غير محدد١٣/١٠٦: قوله {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} رد بليغ رصين على قول فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ... لَمَجْنُونٌ}؛ فموسى لم يشتم فرعون ولكنه بين أن المحك الحقيقي لرجاحة العقل أو جنونه هو الإقرار بهذا النظام الفلكي الباهر وإفراده بالعبادة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (موسى).
{رَبُّ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو رب، وهو مضاف.
{الْمَشْرِقِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ والمشرق اسم مكان لجهة طلوع الشمس والأنوار.
{وَالْمَغْرِبِ}: معطوف على المشرق مجرور بالكسرة؛ وهو موضع غروبها.
{وَمَا}: اسم موصول معطوف في محل جر.
{بَيْنَهُمَا}: ظرف مكان متعلق بصلة الموصول المحذوفة، وهما مضاف إليه.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها والميم للجمع.
{تَعْقِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر كان، وجواب الشرط محذوف تقديره فآمنوا أو فاعلموا أنه ربكم. والعقل: النور الإدراكي الذي يعقل صاحبه عن ارتكاب السفه وقبائح الأفعال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة العقلية الحكيمة بين الجنون والعقل: فرعون اتهم موسى بالجنون ({لَمَجْنُونٌ})، فجاء جواب موسى في ختامه: {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}؛ ليثبت أن الجنون هو وصف فرعون وملئه الذين يعطلون عقولهم أمام أعظم ظاهرة كونية يشاهدونها كل يوم: الشروق والغروب.
التدرج الإحاطي في البراهين الثلاثة لموسى:
البرهان الكلي المحيط: خلق السماوات والأرض وما بينهما (الآية 24).
البرهان الحركي الفلكي المستمر: رب المشرق والمغرب وما بينهما (الآية 28).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إفحام المتألهين بسنن الكون القاهرة:
هذا البرهان هو ذات البرهان الذي ألقمه إبراهيم عليه السلام للنمرود حين قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}؛ فحركة الأفلاك اليومية برهان قاهر فوق قدرة كل الجبابرة، لا يستطيع مدعٍ أن ينسبها لنفسه.
تحرير مفهوم "العقل" في القرآن:
العقل في ميزان التنزيل ليس مجرد ذكاء حركي أو دهاء سياسي في جمع الأموال وبناء القصور، بل العقل الحقيقي هو الذي يقود صاحبه إلى معرفة خالقه والخضوع له؛ فمن كفر بربه وتأله فهو فاقد للعقل مهما كان ذكياً في شؤون دنياه.
الطباق البديع بين {الْمَشْرِقِ} و{وَالْمَغْرِبِ}: جمع بين المتقابلين لاستيعاب كل جهات الكون وحركة الزمان والأنوار.
التعريض المهذب في {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}: أسلوب تعريض في غاية اللباقة والفصاحة؛ لم يقل "لأنكم مجانين"، بل علق الأمر على وجود العقل؛ ليدفعهم دفعاً إلى تحريك عقولهم والتفكير في مآلهم.
تدبر شروق الشمس وغروبها: كل شروق صباحي هو رسالة توحيد تنطق بأن لهذا الفلك رباً حياً قيوماً يدبر أمره بحكمة بالغة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاحتكام إلى البديهيات العقلية في الحوار: استخدام الأدلة الواضحة القاطعة التي لا يملك الخصم إنكارها، وربط المخاطبين بالواقع المحسوس.
التماسك الأخلاقي أمام استفزازات الخصوم: عدم الانجرار إلى التراشق بالألفاظ البذيئة، والرد على الإساءة بالبرهان والمنطق الرفيع.
تعظيم قدرة الله في تسيير الأفلاك: التأمل في دقة مسار الشمس والقمر وتعاقب الفصول، وتجديد الحمد لله الذي جعل في ذلك عبرة لأولي الألباب.