روى الطبري (19/423)مصدر غير محدد١٩/٤٢٣ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} قالوا: المطر هنا ليس مطر الماء والرحمة، بل هو مطر حجارة من سجيل منضود مشتعلة بالنار، كل حجر معلم ومكتوب عليه اسم صاحبه الذي يقتله؛ فساء وبئس ذلك المطر المهلك مطراً نزل بقوم أُنذروا وخُوِّفوا بأس الله فكذبوا وأصروا على الفاحشة.
قال ابن كثير (6/162)مصدر غير محدد٦/١٦٢: "أي وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل، مسومة عند ربك للمسرفين؛ فبئس المطر مطرهم، وبئس الصباح صباحهم؛ كما قال تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ}".
قال القرطبي (13/123)مصدر غير محدد١٣/١٢٣: "أطلق على إنزال الحجارة لفظ المطر على وجه الاستعارة والتهكم؛ لأن المطر في الأصل سبب الحياة، فجعل الله مطرهم سبب الفناء والهلاك".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَمْطَرْنَا}: الواو عاطفة، {أَمْطَرْنَا}: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بـ (نا)، و(نا) فاعل؛ والإمطار في القرآن غالباً ما يستعمل في عذاب السماء والهلاك، بخلاف (مَطَرَ) المجردة التي تستعمل في الرحمة والماء.
{مَطَرًا}: مفعول به منصوب (أو مفعول مطلق نائب عن المصدر) وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ والتنكير للتهويل والفظاعة.
{فَسَاءَ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب؛ {سَاءَ}: فعل ماضٍ جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح.
{مَطَرُ}: فاعل {سَاءَ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْمُنذَرِينَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والمخصوص بالذم محذوف تقديره (مطرهم)؛ ومجموع الجملة في محل نصب معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل التدمير الإلهي بمشهد رجم السماء:
بعد أن أجمل التدمير في الآية 172 ({ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ})، فصل في هذه الآية كيفية هذا التدمير: وهو رجمهم بمطر الحجارة المشتعلة من السماء؛ لتكتمل الإحاطة بهم من أسفلهم (بالقلب والخسف) ومن فوقهم (بمطر السجيل).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين مطر الرحمة ومطر النقمة:
محاكمة لغوية وبلاغية: السماء التي ينزل منها الغيث والبركات، قادرة بأمر خالقها أن تنزل الكبريت والحجارة والنيران؛ فالسماء جند من جنود الله، تسقي من أطاع، وترجم من فجر وتمرد؛ وتسمية الحجارة "مطراً" استعارة تهكمية تسلبهم أي أمل بالنجاة.
تنكير {مَطَرًا}: للتهويل البالغ؛ أي مطراً عجيباً مروعاً خارجاً عن المألوف لا يقاس به أي مطر.
استعمال فعل الذم {سَاءَ}: للدلالة على بلوغ هذا المطر غاية القبح والشناعة والدمار في موازين العذاب.
وصفهم بـ {الْمُنذَرِينَ}: للتذكير بالحجة؛ أي إن هذا العذاب لم يفجأهم ظلماً، بل جاءهم بعد إنذار متكرر وبيان ساطع من نبيهم لوط، فكان نزول المطر عليهم استحقاقاً عادلاً لعنادهم.
تدبر هول الصباح: مشهد تتساقط فيه الصخور المشتعلة على أجساد الزناة والمجرمين حتى تحيلهم رماداً مدفوناً تحت الأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من إنذار الله: إذا أنذر القرآن من فاحشة، فليعلم المسلم أن مغبتها دمار الدنيا وعذاب الآخرة؛ فلا يأخذك التهاون بحرمات الله.
استشعار نعمة الغيث: عند نزول المطر الصالح، يستشعر المؤمن رحمة ربه وفضله، ويستعيذ بالله من مطر السخط والعذاب.