روى الطبري (19/357)مصدر غير محدد١٩/٣٥٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: خطب فرعون في جيشه وملئه ليرفع معنوياتهم ويهون من شأن بني إسرائيل، فقال محتقراً لهم: {إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ}؛ والشرذمة في كلام العرب: العصابة القليلة المنقطعة من الناس، التافهة التي لا وزن لها ولا سلاح ولا كراع؛ وقيل: كان بنو إسرائيل بضع مئات من الآلاف، ولكن فرعون وصفهم بالقلة والشرذمة تقليلاً لشأنهم بالنسبة لجيشه العرمرم الذي كان يعد بالملايين، وتثبيتاً لقلوب جنوده لئلا يهابوا معجزات موسى.
قال ابن كثير (6/148)مصدر غير محدد٦/١٤٨: "أراد فرعون تحقير شأن بني إسرائيل في أعين جيشه، فوصفهم بأنهم شرذمة قليلون؛ أي طائفة يسيرة حقيرة هاربة لا شوكة لها ولا سلاح، لئلا يظن الجند أن خروجهم كان عن قوة ومنعة، بل ليهيجهم على استئصالهم".
بين القرطبي (13/118)مصدر غير محدد١٣/١١٨: قال أهل اللغة: الشرذمة القطعة من الشيء، وثوب شراذم أي مقطع؛ فسميت تلك الجماعة شرذمة لتفرقهم وضعفهم وانقطاعهم عن السند المادي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{هَٰؤُلَاءِ}: الهاء للتنبيه، "أولاء" اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم "إن"، والإشارة لبني إسرائيل.
{لَشِرْذِمَةٌ}: اللام المزحلقة للتوكيد، شرذمة خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة؛ وهي العصابة القليلة المنبوذة المستحقرة.
{قَلِيلُونَ}: نعت لـ "شرذمة" مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ وجُمع نعت الشرذمة بالواو والنون مراعاة لمعناها وأفرادها لأنها اسم جمع للعقلاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الحرب النفسية ورفع المعنويات العسكرية: بعد أن أرسل الحاشرين، واجه فرعون سؤالاً محرجاً من ضباطه وجنوده: لماذا نستنفر كل هذا الجيش الجرار لمطاردة مجموعة من العبيد المستضعفين؟! فبادر بهذا الخطاب التبريري: إنهم {شِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} لا تخافوا منهم، ولكننا نخرج لنؤدبهم!
التناقض النفسي للمستبد: النظم يكشف تناقض فرعون الداخلي؛ يصفهم بأنهم "شرذمة قليلون" حقيرون، وفي نفس الوقت يستنفر كل أقاليم مصر ومدائنها وجيوشها لمطاردتهم؛ فلو كانوا حقاً شرذمة تافهة لما احتاج إلى جمع كل المدائن!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أسلوب الأنظمة المستبدة في تحقير المعارضة والمصلحين:
درس سياسي في تحليل الخطاب الدكتاتوري؛ يحرص الطغاة دائماً على استخدام ألفاظ التحقير والتقليل ضد المصلحين ودعاة الحرية (شرذمة، قلة مندسة، عصابات معزولة، فئات ضالة، حثالة)؛ لإيهام الرأي العام بأنهم لا يمثلون وزناً شعبياً وأن المجتمع كله يقف مع السلطة.
اضطرار الطاغية للكذب المكشوف:
الحقيقة أن بني إسرائيل كانوا شعباً كبيراً، ولكن فرعون كذب على جنوده ليرفع معنوياتهم المنهارة بعد أن شهدوا في الصباح انقلاب السحرة وإيمانهم بعصا موسى.
تدبر مكر الله: فرعون يسميهم شرذمة قليلين، وسيجعلهم الله بعد ساعات قليلة هم الوارثين لقصوره وجناته وكنوزه، ويجعل فرعون وجيشه هم الهالكين الغارقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم الاكتراث بأوصاف التحقير التي يطلقها الخصوم: ألا يلتفت أهل الحق إلى محاولات الإعلام المعادي تصويرهم كـ "أقلية معزولة أو شرذمة"؛ فالعبرة عند الله بالصدق والاستقامة لا بالدعاية الكاذبة.