روى الطبري (19/415)مصدر غير محدد١٩/٤١٥ عن قتادة ومجاهد: {مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} قالوا: قالوا لصالح: لست بملك ولا بمخلوق خارق، بل أنت إنسان من بني آدم مثلنا في الصورة والأكل والشرب والنسب، فما الذي يفضلك علينا حتى يُوحى إليك دوننا؟! فإن كنت صادقاً في دعوى الرسالة فائتنا بمعجزة وعلامة خارقة للعادة تدل على صدقك وتلزمنا بتصديقك.
قال ابن كثير (6/160)مصدر غير محدد٦/١٦٠: "طلبوا منه معجزة تدل على صدقه فيما جاءهم به من عند ربه؛ فاقترحوا عليه أن يُخرج لهم من صخرة صماء معينة ناقة عشراء بالغة الضخامة تلد فصيلها أمام أعينهم، وأخذوا عليه العهود لئن فعل ليؤمنن به".
قال القرطبي (13/119)مصدر غير محدد١٣/١١٩: "استدلوا بالبشرية على نفي النبوة، وهو قياس باطل؛ وسألوه الآية على وجه التعجيز والعناد لا طلباً للهداية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَا}: حرف نفي مبني على السكون.
{أَنتَ}: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{بَشَرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والبشر يطلق على الواحد والجماعة من الإنس لظهور بشرتهم وخلوها من الصوف والشعر.
{كُنتَ}: فعل ماضٍ ناقص في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه.
{مِنَ الصَّادِقِينَ}: جار ومجرور في محل نصب خبر {كُنتَ}؛ وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله (فائت بآية).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الطعن في العقل إلى التحدي بالمعجزة:
في الآية السابقة طعنوا في عقله ({إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ})، وهنا طعنوا في أصل نبوته بحجة بشريته المماثلة لبشريتهم، ثم انتقلوا إلى التعجيز بطلب الآية: {فَأْتِ بِآيَةٍ}؛ فكان هذا الطلب هو بداية المنعطف الأخير الذي استوجب الامتحان الإلهي بناقة الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مغالطة نفي الرسالة بالبشرية:
محاكمة عقلية محكمة: الشبهة المزمنة لكل الأمم الجاهلية: "كيف يكون الرسول بشراً مثلنا؟!".
الرد القرآني الصارم: بشرية الرسول هي عين الحكمة والرحمة؛ لأن البشر لا يستطيعون التلقي المباشر عن الملك ولا الاقتداء به لاختلاف الطبيعة؛ فالرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم، يجوع ويأكل ويتزوج ويتألم ليكون أسوة عملية ونموذجاً يُحتذى في تطبيق الشريعة؛ فالبشرية كمال للرسالة وليست نقصاً يقدح فيها.