روى الطبري في جامع البيان (19/342)مصدر غير محدد١٩/٣٤٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما رأى فرعون الثعبان المبين واليد البيضاء كاد يغشى عليه من الرعب، فلما أخذ موسى العصا وعادت خشبة واستقرت يده، تنفس فرعون الصعداء وأراد التغطية على هزيمته، فالتفت إلى رؤساء قومه وسادته من حوله وقال محرضاً ومخادعاً: {إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}؛ أي ما هذا الذي رأيتموه إلا سحر محكم متقن، وهذا الرجل ساحر خبير بفنون السحر وحيله، وليس برسول من عند الله!
قال ابن كثير (6/144)مصدر غير محدد٦/١٤٤: "فرعون الذي كان يدعي أنه الرب الأعلى صار يستشير ملأه ويستجديهم؛ وهذا من أعظم دلائل الذل والانكسار؛ ولما رأى الآيات الباهرة خشي أن يتبعه الناس، فصرف وجوههم برمي موسى بالسحر؛ لأن السحر كان الفن الرائج المعظم في بلاد مصر حينئذ، فأراد أن يوهمهم أن ما فعله موسى داخل تحت طاقة البشر من جنس فنهم".
بين القرطبي (13/109)مصدر غير محدد١٣/١٠٩: وصف فرعون لموسى بأنه {عَلِيمٌ} يدل على علو كعب المعجزة في الإتقان، حتى اضطر الطاغية للاعتراف بعلمه ومهارته الفائقة، ولكنه نسب ذلك إلى السحر بهتاناً وتدليساً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (فرعون).
{لِلْمَلَإِ}: اللام جارة، الملأ مجرور بالكسرة؛ وهم أشراف القوم وكبراؤهم الذين يملؤون الصدور مهابة والمجالس وجاهة.
{حَوْلَهُ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت للملأ، والهاء مضاف إليه.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، "ذا" اسم إشارة مبني في محل نصب اسم "إن"، والإشارة إلى موسى عليه السلام.
{لَسَاحِرٌ}: اللام المزحلقة للتوكيد، ساحر خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة؛ اسم فاعل من سحر يسحر، والسحر في اللغة: صرف الشيء عن وجهه الحقيقي بخفاء ولطف وتمويه.
{عَلِيمٌ}: نعت لـ "ساحر" مرفوع بالضمة، صيغة مبالغة على وزن فعيل؛ أي فائق العلم والدراية ودقيق الخبرة بفنون السحر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تهافت الطاغية وتناقضه الصارخ: في الآية (27) وصف موسى بأنه مجنون ({إِنَّ رَسُولَكُمُ... لَمَجْنُونٌ})، فلما عاين الآيات المعجزة التي لا تصدر إلا عن ذكاء وعلم قاهر، نقض كلامه الأول وصار يصفه بأنه {سَاحِرٌ عَلِيمٌ}؛ والجنون ينافي العلم الفائق، مما يبرهن على تخبط فرعون واضطراب منطقه.
الاستنجاد بالملأ لتشكيل جبهة سياسية: لم يعد يخاطب موسى بل توجه بكليته إلى الملأ لتحريضهم وتخويفهم على مصالحهم المشتركة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تناقض اتهامات الباطل في مواجهة الحق:
محاكمة تكشف تهافت الأنظمة المستبدة في ترويج التهم؛ كيف يجتمع في شخص واحد أن يكون "مجنوناً" فاقد الأهلية، وفي نفس اللحظة "ساحراً عليماً" عبقرياً قادراً على تهديد أركان الإمبراطورية؟!
هذا التناقض المفضوح يثبت أن التهم ليست مبنية على حقيقة موضوعية، بل هي مجرد أسلحة دعائية لتنفير الجماهير وتشويه المصلحين.
إرجاع الحق إلى البيئة الثقافية السائدة:
دأب الطغاة على تفسير معجزات الأنبياء بمصطلحات عصرهم لتهوينها؛ فلما كان عصر الفراعنة عصر تفوق في السحر والهندسة الكهنوتية، أرجع المعجزة إلى السحر؛ لكي يهيئ المناخ لمنازلة موسى بسحرة الدولة في مؤتمر عام.
توكيد الخبر بـ {إِنَّ} واللام {لَسَاحِرٌ}: لم يقل "هذا ساحر"، بل أكده بمؤكدين؛ لكي يفرض قناعته المزعومة على نفوس الحاشية المترددة.
صيغة المبالغة في {عَلِيمٌ}: اعتراف غير مقصود من الطاغية بعظمة ما رآه، واعتراف بعجزه عن مواجهة هذا العلم الرباني إلا بحشد سحرة المملكة قاطبة.
تدبر ذل المستبد: الطاغية الذي كان يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ} يقف الآن ذليلاً خائفاً يرجو دعم ملئه ويستعطفهم لمواجهة رجل أعزل لا يملك إلا عصاه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كشف تناقضات الإعلام المعادي للحق: تفكيك تهم الخصوم وبيان تهافتها المنطقي للناس؛ فالباطل مرتبك يلقي التهم جزافاً دون عقل ولا برهان.