روى الطبري (19/388)مصدر غير محدد١٩/٣٨٨ عن قتادة ومجاهد: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} أي قال هؤلاء الغاوون وهم يتجادلون ويتلاومون في قعر الجحيم، يلقي بعضهم اللوم على بعض، ويعاتب الأتباع المتبوعين، ويلعن العابدون معبوداتهم وشياطينهم.
قال ابن كثير (6/155)مصدر غير محدد٦/١٥٥: "أي يتخاصم هؤلاء الضالون مع أصنامهم ومع شياطينهم ومع سادتهم الذين أضلوهم، كما قال تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}، وقال: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ}".
قال القرطبي (13/108)مصدر غير محدد١٣/١٠٨: "الخصومة هنا هي تلاوم أهل المعاصي والشرك واعترافهم بجنايتهم في غير وقت توبة، فلا ينفعهم الخصام ولا يدفع عنهم العذاب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماضٍ مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل فاعل؛ والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لحكاية كلامهم في المحشر.
{وَهُمْ}: الواو حالية، {هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بالفعل {يَخْتَصِمُونَ}، وقُدِّم للاهتمام ببيان مكان الخصومة وهو الجحيم.
{يَخْتَصِمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {هُمْ}؛ ومجموع الجملة الاسمية {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} في محل نصب حال من واو {قَالُوا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انقلاب المودة الشركية إلى عداوة وخصام:
في الدنيا كانوا يجتمعون على عبادة الأصنام بود وألفة مصطنعة كما قال إبراهيم: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}؛ فلما نزلوا في النار انقلبت تلك المودة إلى خصومة عنيفة وتلاوم مرير {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ}؛ ليتحقق الخزي النفسي مقروناً بالعذاب الحسي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عبثية الخصام في دار الجزاء:
محاكمة عقلية: الخصام في الدنيا قد يفيد في إحقاق حق أو تصحيح مسار أو رد مظلمة؛ أما الخصام في النار فهو خصام اليائسين والعاجزين؛ لا يرفع عذاباً ولا يغير مصيراً، بل يزيدهم ضيقاً على ضيق وخزياً على خزي، كما قال الله لهم في موضع آخر: {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ}.
الجملة الحالية {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ}: تخليد لصورة الصراع والضجيج والانفعال العقيم في قعر اللهب؛ فلم تشغلهم شدة الحريق عن لعن بعضهم والاعتراف بضلالهم.
صيغة الافتعال في {يَخْتَصِمُونَ}: تفيد التفاعل والمبالغة في النزاع وتبادل الاتهامات القاسية بين أطراف الضلال.
تدبر مصير العلاقات الفاسدة: كل صداقة أو تحالف لم يبنَ على تقوى الله ينقلب يوم القيامة إلى عداوة ولعن وخصومة لا نهاية لها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توثيق روابط الأخوة الإيمانية: الصداقة الحقيقية هي التي تنجو يوم القيامة؛ قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
الحذر من تقليد القدوات الضالة: لا تتبع أحداً في معصية الله؛ فإنه لن يغني عنك شيئاً حين تدور رحى الخصام في قعر جهنم.