روى الطبري (19/389)مصدر غير محدد١٩/٣٨٩ عن قتادة وابن عباس ومجاهد: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} قالوا: المجرمون هم إبليس ودعاة الشرك ورؤوس الضلالة الذين سنوا لهم عبادة الأوثان ودعوهم إليها، وقيل: هم أسلافهم وآباؤهم المشركون.
قال ابن كثير (6/155)مصدر غير محدد٦/١٥٥: "أي: ما دعانا إلى ما كنا عليه من عبادة الأوثان والضلال إلا الدعاة إلى الكفر، من كبرائنا وقادتنا وشياطين الإنس والجن الذين أوقعونا في الإجرام؛ كما قالوا في سورة سبأ: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا}".
قال السعدي (ص 595)مصدر غير محدد٥٩٥: "أي ما دلنا على هذا الضلال إلا أهل الجرائم العظيمة من أئمة الكفر وشياطين الإنس والجن، فاقتدينا بهم فحل بنا ما حل بهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو عاطفة، {مَا}: حرف نفي مبني على السكون.
{أَضَلَّنَا}: {أَضَلَّ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، و(نا) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{الْمُجْرِمُونَ}: فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم؛ وأصل الإجرام: ارتكاب الذنب العظيم وقطع أسباب الخير.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج أهل النار في تبرير جنايتهم بعد الإقرار بالضلال:
لما أقروا بضلالهم المبين ({إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ})، وعينوا نوع الضلال ({إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ})، انتقلوا إلى محاولة التنصل الجزئي وإلقاء التبعة على المحرك الخارجي: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ}؛ وهي حيلة العاجز المهزوم الذي يبحث عمن يعلق عليه وزر جريمته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أسلوب القصر والحصر بالنفي والاستثناء {وَمَا... إِلَّا}: لتصوير انحصار علة ضلالهم في مكر المجرمين، ومحاولة بائسة للتخفيف من بشاعة فعلهم.
التعبير بالوصف المشتق {الْمُجْرِمُونَ}: تعريض بصفة الإجرام الكامنة في أولئك المتبوعين؛ والاعتراف بأن من صد عن صراط الله فهو مجرم في حق ربه وفي حق الإنسانية جمعاء.
تدبر مصير التبعية العمياء: من أسلم قياده للمجرمين في الدنيا، قادوه إلى قعر جهنم يوم القيامة وتبرأوا منه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير الإرادة واستقلال الشخصية: المؤمن لا يكون إمعة يقول: "إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت"، بل يوطن نفسه على اتباع الحق ولو خالفه الكبراء والأكثرون.
خطورة دعاة الضلالة: أئمة الكفر ومروجو الشبهات والشهوات هم أعدى أعداء الأمة؛ والتحذير منهم ومن سمومهم واجب شرعي لحماية العوام من غوائلهم.