فزع لوط إلى ربه طالباً النجاة من دنس المنكر ومن العذاب الوشيك:
روى الطبري (19/422)مصدر غير محدد١٩/٤٢٢ عن قتادة ومجاهد: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} أي قال لوط داعياً ربه متضرعاً: يا رب، سَلِّمْني وخلِّصني وأهلي المؤمنين من دنس هذه الفاحشة القبيحة أن نقع فيها أو يصيبنا غبارها، ونجنا من وبالها وعقوبتها وعذابها المستأصل الذي سينزل بهم جراء كفرهم وعنادهم.
قال ابن كثير (6/162)مصدر غير محدد٦/١٦٢: "دعا ربه عز وجل أن يخلصه وأهله مما هؤلاء متلبسون به من الخبائث، ومن العذاب الذي حتمه الله عليهم؛ فاستجاب الله له دعاءه كما استجاب لنوح وإبراهيم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{رَبِّ}: منادى منصوب بحرف نداء محذوف، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف والخشوع، والياء مضاف إليه.
{نَجِّنِي}: فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره (أنت)، والنون للوقاية والياء مفعول به.
{وَأَهْلِي}: الواو عاطفة، {أَهْلِي}: معطوف على الياء في {نَجِّنِي} منصوب بفتحة مقدرة، والياء مضاف إليه.
{مِمَّا}: {مِنْ}: حرف جر للنجاة والمجاوزة؛ {مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل جر، والجار والمجرور متعلق بالفعل {نَجِّنِي}.
{يَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة صلة الموصول {مَا} لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره (يعملونه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من إعلان البراءة إلى طلب النجاة الإلهية:
لما أعلن براءته وبغضه الصريح لعملهم ({إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ})، وأيقن بأن القوم لا يرجى منهم توبة، فزع فوراً إلى ربه بالدعاء: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي}؛ استشعاراً لقرب نزول الصاعقة وحرصاً على حفظ عصبة الطهارة من الهلاك المحتوم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمول طلب النجاة للأثرين (الأخلاقي والكوني):
النجاة التي طلبها لوط تشمل أمرين:
النجاة من دنس الفاحشة والفتنة في الدين، بأن يعصم الله ذريته وأهله من أن يتأثروا بتلك البيئة الموبوءة.
النجاة من حجارة السجيل والعذاب الإلهي الذي سينزل بالقرية الظالمة؛ فكان دعاؤه جامعاً للسلامة الدينية والدنيوية.
النداء بـ {رَبِّ}: استغاثة المضطر بربه الودود القريب القادر على إنجاء عباده في أحلك اللحظات.
التعبير بـ {مِمَّا يَعْمَلُونَ}: تحاشي ذكر الفاحشة بالاسم صيانةً للفظ وتأدباً في مناجاة الله، وإشارة إلى اشمئزازه التام من مجرد تسميتها.
تدبر قلق الوالد المصلح: كيف يحمل لوط هم بناته وأهله في وسط بيئة تموج بالفسوق، فيفزع إلى الله ليحميهم؛ وهكذا ينبغي لكل أب مسلم في زمن الفتن أن يلهج بالدعاء لحفظ أهله وذريته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حماية الأسرة من التلوث البيئي: واجب المؤمن تحصين أهله وبيته من المنكرات، وسؤال الله الدائم أن ينجيهم من فتن الشبهات والشهوات.
اللجوء إلى الله عند غلبة المنكر: إذا عجزت الحيلة البشرية عن رد طوفان الفساد، فالدعاء الصادق مفتاح الفرج وسلاح المستضعفين.