روى الطبري (19/336)مصدر غير محدد١٩/٣٣٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {قَالَ} فرعون لرؤساء قومه وأشراف دولته وأهل مشورته الذين جلسوا حوله في مجلس سلطانه: {أَلَا تَسْتَمِعُونَ} أي ألا تعجبون من هذا الرجل وما يقول؟! ألا تسمعون جوابه الذي يزعم به وجود رب غيري، ولا يجيب عن سؤالي عما هو؟!
قال ابن كثير (6/142)مصدر غير محدد٦/١٤٢: "هذا من فرعون على سبيل الاستهزاء والتكذيب والاستنقاص لموسى، يستحث به قومه على إنكار مقالته، كما قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}؛ أراد أن يشغلهم عن التدبر في حجة موسى القاطعة بسخريته وتأليبه".
بين القرطبي (13/105)مصدر غير محدد١٣/١٠٥: لما رأى فرعون وضوح حجة موسى وقوة منطقه، وخشي أن تؤثر في قلوب الملأ الحاضرين، بادر بالتشغيب والتحريش واللجوء إلى الاستهزاء للتغطية على عجزه عن الرد المنطقي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (فرعون).
{لِمَنْ}: اللام حرف جر، "من" اسم موصول مبني في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بـ "قال".
{حَوْلَهُ}: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف صلة الموصول لـ "من"، والهاء مضاف إليه.
{أَلَا}: أداة تنبيه وتحضيض واستفتاح يراد بها التعجيب والاستنكار.
{تَسْتَمِعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل. والاستماع: الإصغاء للأصوات والكلام بقصد الفهم والتعجب؛ والجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكتيك الإفلاس النفسي والسياسي: لما بهرته حجة موسى الكونية الصادعة، لم يجد فرعون جواباً علمياً يدحض به خلق السماوات والأرض، فالتفت إلى بطانته المستفيدة من نظامه ليستدر عطفهم ويستجلب تأييدهم الجمعي ضد هذا الصوت الجديد.
التمهيد لرد موسى الأكثر تخصيصاً: التفات فرعون إلى "من حوله" استثمرها موسى مباشرة في الآية التالية، ليوجه الخطاب إليهم وإلى فرعون معاً: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سيكولوجية المستبد في الاستقواء بالقطيع والملأ:
تفضح الآية طبيعة الحاكم المستبد؛ حين تنهار حججه العقلية يفر إلى حاشيته وإعلامه الموجه لتسفيه الحق والاستهزاء بالخصم لإثارة الضحك والسخرية وصرف الأنظار عن جوهر القضية.
الاستهزاء دليل الإفلاس المنطقي؛ فالقوي بحجته يرد على الفكرة بفكرة أقوى منها، أما العاجز فيرد بالضحك والاستعداء.