العود إلى إثبات مصدرية القرآن الكريم بعد عرض مواكب الأنبياء:
روى الطبري (19/432)مصدر غير محدد١٩/٤٣٢ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قالوا: وإن هذا القرآن العظيم الذي قصصنا عليك فيه أنباء الأولين وخبر موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب، لمنزل من عند الله خالق الخلق ورب العالمين، ليس بكهانة ولا سحر ولا شعر ولا أساطير أولين كما يزعم كفار قريش.
قال ابن كثير (6/164)مصدر غير محدد٦/١٦٤: "يقول تعالى مخبراً عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّهُ} أي القرآن المشتمل على هذا النبأ الصادق والقصص الحق {لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي أنزله الله الذي خلق كل شيء وربى خلقه بنعمه".
قال القرطبي (13/128)مصدر غير محدد١٣/١٢٨: "الضمير في {وَإِنَّهُ} عائد إلى القرآن العظيم؛ والتنزيل مصدر سمي به المنزل، وتنكيره أو إضافته لرب العالمين للتعظيم والتشريف".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِنَّهُ}: الواو استئنافية لافتتاح خاتمة السورة والعودة إلى عمودها، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إن عائد على القرآن الكريم.
{لَتَنزِيلُ}: اللام المزحلقة للتوكيد، {تَنزِيلُ}: خبر {إِنَّ} مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مصدر نُزِّلَ بالتضعيف سُمي به المفعول (المُنَزَّل)، وهو مضاف. والتنزيل يفيد النزول المفرق المنجم بحسب الوقائع والمصالح.
{رَبِّ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الانتقال من التاريخ إلى الحاضر ومن القصص إلى المصدر:
بعد أن استعرضت السورة سبع قصص نبوية كبرى تفضح الشرك وتثبت نصرة الحق، عادت السورة إلى أصل موضوعها الذي افتتحت به في الآيات الأولى: إثبات صدق الوحي وتنزيل القرآن؛ لتقول لكفار مكة: هذه الأخبار الغيبية المفصلة الدقيقة التي تلوتها عليكم لم يشهدها محمد ولم يقرأها في كتب، وإنما هي برهان قاطع على أنه {لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استحالة صدور القرآن من غير رب العالمين:
محاكمة عقلية وإعجازية: رجل أمي نشأ في مكة لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، يأتي بهذه التفاصيل الدقيقة المتناسقة لقصص الأنبياء، التي وافقت ما في كتب الأولين وصححت ما حرفوه، في سياق بياني معجز لا يقدر عليه فصحاء العرب؛ فبأي عقل يدعى أنه افتراه من عنده؟! إن نسبة هذا الكتاب إلى رب العالمين هي التفسير العقلاني الوحيد المقبول الذي يفسر وجوده المعجز.
تأكيد الجملة بـ {إِنَّ} واللام المزحلقة {لَتَنزِيلُ}: لرد إنكار كفار قريش ومكابرتهم في شأن الوحي.
التعبير بالمصدر {تَنزِيلُ}: لإفادة أصالة النزول وعظمته، والتنزيل بالتضعيف يدل على التنجيم والتدرج في النزول لحكمة التثبيت والتربية.
إضافة التنزيل إلى {رَبِّ الْعَالَمِينَ}: لإسباغ صفة الربوبية العامة على هذا الوحي؛ فهو تنزيل من رعى الكون كله، فجاء هداية للعالمين كافة لا لقوم دون قوم.
تدبر عظمة القرآن: إذا كان هذا القرآن تنزيل رب العالمين وخالق المجرات والسموات، فكيف يعرض عنه الإنسان أو يزهد في تلاوته وتدبره؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توقير كلام الله: استشعار أن القرآن كلام رب العالمين يملأ القلب هيبة وخشوعاً عند تلاوته وسماعه.
الانطلاق من القرآن في الدعوة: القرآن هو سلاح الداعية الأعظم؛ فبه تُقام الحجج، وبه تُحيى القلوب، وبه تُدحض الشبهات.