روى الطبري (19/366)مصدر غير محدد١٩/٣٦٦ عن قتادة ومجاهد والحسن: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} تكرار لهذا الثناء الإلهي العظيم؛ فهو {الْعَزِيزُ} الذي انتقم من فرعون وجنده وأهلكهم بعزته وجبروته وقهره فلم يفلت منهم أحد؛ وهو {الرَّحِيمُ} بموسى وبني إسرائيل حين نجاهم برحمته وفضله من بطش الطاغية وظلمات البحر.
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "{الْعَزِيزُ} في انتقامه من أعدائه المكذبين، {الرَّحِيمُ} بأوليائه المؤمنين المصدقين؛ وجمع بين الصفتين في ختام كل قصة لبيان أن بطشه قائم على العزة والعدل، وأن نصرته للمؤمنين قائمة على الرحمة والفضل".
بين القرطبي (13/124)مصدر غير محدد١٣/١٢٤: هذا هو الترجيع الثاني في السورة؛ ويأتي دائماً كقرين للازمة الأولى ({إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً}) لتكتمل المعزوفة الإيمانية التوحيدية في ختام كل نبوة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِنَّ}: الواو عاطفة أو استئنافية، إن حرف توكيد ونصب.
{رَبَّكَ}: رب اسم إن منصوب بالفتحة وهو مضاف، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{لَهُوَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، "هو" ضمير فصل لا محل له من الإعراب (أو مبتدأ).
{الْعَزِيزُ}: خبر إن مرفوع بالضمة (أو خبر المبتدأ والجملة خبر إن).
{الرَّحِيمُ}: خبر ثان لـ "إن" مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التطابق الإعجازي بين النظرية والتطبيق: في الآية (9) وردت هذه الصفة بعد آية الآفاق، وهنا في الآية (68) تجلت في مسرح التاريخ العملي:
رأينا "العزيز" وهو يطبق البحر كالجبال على أعتى جيش وإمبراطورية في العالم فيدمرها.
ورأينا "الرحيم" وهو يقود شعباً مستضعفاً خائفاً في طريق يابس آمن بين الأمواج وينجيهم أجمعين.
مسك الختام للمشهد الموسوي: ختم المشهد بهاتين الصفتين يغلق ملف المواجهة مع فرعون بأبهى صور التمجيد والتعظيم لله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمولية العزة والرحمة وانتفاء الظلم:
محاكمة تؤكد عدالة الله؛ فعزة الله لم تبطش بفرعون ظلماً أو عدواناً، بل بعد سيل من الآيات والمعجزات والإنذارات والمناظرات؛ فكان إهلاكه عدلاً وعزة، وكان إنجاء موسى فضلاً ورحمة.
توكيدات الحصر والكمال: تأكيد الخبر بـ "إن"، واللام المزحلقة، وضمير الفصل، وتعريف الاسمين بالألف واللام؛ لترسيخ أن العزة الحقيقية والرحمة الكاملة لله وحده لا يشاركه فيها أحد.
تدبر إضافة الربوبية للنبي صلى الله عليه وسلم {رَبَّكَ}: تثبيت مستمر لقلب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ بأن الذي أهلك فرعون بعزته ونجى موسى برحمته، هو ربك الخاص بك الذي سيهلك صناديد قريش بعزته وينصرك برحمته، وقد فعل سبحانه في بدر وفتح مكة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بالله والفرار إلى رحمته: أن يعيش المسلم في حصن العزة الإلهية، فلا يخاف قوة ظالمة في الأرض، ويستظل برحمة الله التي وسعت كل شيء.
الثقة التامة بحتمية نصر المستضعفين: اليقين بأن العزيز الرحيم حي لا يموت، وأن سنته في نصرة رسله وأوليائه وإهلاك الجبابرة تتجدد في كل زمان ومكان.
التخلق بالتوازن بين القوة والرحمة: أن يجمع الداعية والقائد المسلم بين العزة والصلابة في مواقف الحق، وبين الرحمة واللين والرفق بالمؤمنين والضعفاء.