تشخيص الخطيئة الكبرى (التسوية بين الخالق والمخلوق):
روى الطبري (19/389)مصدر غير محدد١٩/٣٨٩ عن قتادة ومجاهد: {إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي حين جعلناكم أيها الأصنام والأنداد مساوين لرب العالمين وخالق السموات والأرض في العبادة والمحبة والتعظيم والطاعة، فصرفنا لكم ما لا يليق إلا بالله وحده.
قال ابن كثير (6/155)مصدر غير محدد٦/١٥٥: "أي نجعل أمركم مطاعاً كما يطاع أمر رب العالمين، ونعبدكم معه؛ وما سوّوهم برب العالمين في أنه خلق السموات والأرض، بل سوّوهم به في المحبة والطاعة والعبادة؛ كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}".
قال ابن القيم (مدارج السالكين 1/342): "هذا هو أصل الشرك الذي لا يغفره الله؛ وهو تسوية المخلوق العاجز بالخالق الكامل في حقوق الإلهية وخصائص الربوبية من المحبة والخوف والرجاء والدعاء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بـ {ضَلَالٍ}؛ أي كان ضلالنا متمكناً في ذلك الوقت حين سويناكم برب العالمين، أو تعليلية بمعنى (لأننا).
{نُسَوِّيكُم}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره (نحن)، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع (والخطاب للأصنام أو للمتبوعين).
{بِرَبِّ}: الباء حرف جر، {رَبِّ}: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل {نُسَوِّيكُم} في محل نصب مفعول به ثانٍ؛ وهو مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ والجملة الفعلية في محل جر بالإضافة لـ {إِذْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان علة الضلال المبين ومكمن الانحراف:
لما أقسموا في الآية السابقة أنهم كانوا في ضلال مبين ({تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ})، بينوا في هذه الآية كنه ذلك الضلال وجوهره: وهو التسوية الظالمة بين التراب ورب الأرباب {إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ فكانت الآية بياناً وتفصيلاً لما أجملوه من الضلال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة التسوية الشركية وتفنيد قياس الغائب على الشاهد:
محاكمة عقلية قاصمة: هل كان المشركون يعتقدون أن هبل أو العزى خلقا السموات والأرض؟!
الجواب: قطعاً لا؛ فالقرآن يقرر أنهم يعترفون بالخلق لله ({وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ})؛ ولكن ضلالهم المبين وقع حين سووا بين الحجر الصامت وبين رب العالمين في صرف العبادة والتعظيم والذبح والنذر والدعاء والتشريع؛ وهذا أقبح الظلم وأسفه القياس؛ إذ كيف يُسوى العاجز المطلق بالقادر المطلق، والفقير المحتاج بالغني الحميد؟!
توجيه الخطاب المباشر للأصنام {نُسَوِّيكُم}: مواجهة ملتهبة بالخزي واللوم أمام الجحيم، حيث يبكتون آلهتهم التي ورطتهم في هذا المصير.
إظهار الاسم الجليل {بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}: استحضار لعظمة الربوبية العامة المحيطة بالكون كله؛ لإبراز التناقض الفادح بين عظمة رب العالمين وبين حقارة الحجارة التي سُويت به.
تدبر معنى العدل والظلم: العدل هو وضع الشيء في موضعه وتسوية المتماثلات، وأظلم الظلم هو تسوية المخلوق بالخالق في حقوقه الخاصة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريد التوحيد من الشرك الخفي والظاهر: التوحيد هو إفراد الله بخصائصه؛ فلا يُسوى به ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ولا رئيس في تشريع أو طاعة أو محبة مطلقة.
مراقبة محاب القلوب: من أحب شيئاً كحب الله، أو خافه كخوف الله، أو أطاعه في معصية الله، فقد وقع في شائبة من تسوية المخلوق برب العالمين.