روى الطبري (19/362)مصدر غير محدد١٩/٣٦٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما صرخ بنو إسرائيل: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، وقف كليم الله موسى عليه السلام ثابتاً كالطود الشامخ، لم يتزعزع إيمانه ولم يرتعد، وقال بلسان الواثق بربه زاجراً لهم ورادعاً لخوفهم: {قَالَ كَلَّا}؛ أي لن تدركوا ولن يصلوا إليكم بسوء، {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} أي إن ربي الذي ناداني بالوادي وأرسلني بالآيات معي بحفظه ونصره وكلاءته، سيهديني إلى طريق النجاة ومخرج الخلاص الذي وعدني به، ولن يخلف الله وعده.
قال ابن كثير (6/150)مصدر غير محدد٦/١٥٠: "هذا مقام عظيم من مقامات الصبر والثبات واليقين والتوكل على الله عز وجل؛ قال لهم موسى: {كَلَّا} ردعاً لهم عن هذا القنوط؛ {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}؛ أي الذي أمرني أن أسري بكم لن يضيعنا، وسيهديني لما فيه فرجنا ونجاتنا؛ ولم يكن موسى يعلم حينئذ كيف تكون النجاة، ولكنه كان جازماً بأن الله سينجيهم".
القراءات في {مَعِيَ}: قرأ نافع وحفص عن عاصم بفتح الياء: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي}؛ وقرأ الباقون بسكون الياء: {إِنَّ مَعِيْ رَبِّي}؛ وفتح الياء يفيد الحيوية والتوكيد الصريح لشهود المعية في تلك اللحظة الحاسمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو (موسى).
{كَلَّا}: حرف ردع وزجر وإبطال مبني على السكون؛ يردع أصحاب موسى عن قولهم وظنهم بالهلاك، وينفي الإدراك نفياً قاطعاً.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{مَعِيَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر إن مقدم، والياء مضاف إليه مبني على الفتح (أو السكون).
{رَبِّي}: اسم إن مؤخر منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه؛ وإضافة الربوبية إلى ضمير المفرد هنا لبيان خصوصية المعية وشدة الصلة بين الرسول وربه.
{سَيَهْدِينِ}: السين حرف استقبال وتأكيد، يهدي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو، والنون للوقاية، والياء المحذوفة رسماً واكتفاءً بالكسرة ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به (أصله سيهديني)، والجملة استئنافية لبيان ثمرة المعية أو حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التمهيد الفوري للوحي بالمعجزة: بمجرد أن نطق موسى بكلمة اليقين نزل الوحي فوراً في الآية التالية دون تراخٍ: {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ}؛ ليعلم العالم أن النصر يتنزل عند كمال التوكل واليقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة التوكل عند انقطاع الأسباب المادية:
تجسد الآية أعلى مراتب الإيمان؛ فموسى لم تكن أمامه سفن ولا جسور ولا مفر أرضي، ومع ذلك لم يشك لحظة واحدة في نصر الله؛ لأن يقينه بالله كان أعظم من رؤية البحر والجيش.
هذا يثبت أن الأنبياء يتصلون بمصدر القوة المطلقة التي تملك تغيير نواميس الكون وقوانين الفيزياء في لحظة واحدة.
المقارنة النبوية بين موقف موسى وموقف محمد صلى الله عليه وسلم:
هذا الموقف الموسوي يشبه تماماً موقف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الغار حين قال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا"، فقال صلى الله عليه وسلم بيقين أعظم: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا".
قوة الردع بـ {كَلَّا}: كلمة واحدة قلبت موازين الهزيمة النفسية؛ شجاعة قيادية استثنائية تبدد الرعب من قلوب مئات الآلاف في لحظة واحدة.
دخول السين في {سَيَهْدِينِ}: سين التنفيس والاستقبال تفيد الوعد المنجز القريب الحتمي، كأنه يرى الهداية ومخرج النجاة رأي العين.
تدبر خصوصية {مَعِيَ رَبِّي}: في الآية (15) قال الله لموسى وهارون: {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ}، وهنا لما اضطرب الأتباع وتزلزلوا، استشعر موسى المعية الخاصة لنفسه ليحمل ثقل الأمة كلها على عاتق يقينه: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شعار النصر والثبات عند الشدائد: جعل قولة موسى: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} شعاراً ودثاراً لكل مسلم حين تضيق به السبل وتتكالب عليه الهموم والأعداء.
دور القيادة الإيمانية في تثبيت الصف: واجب القادة والدعاة أن يكونوا صمامات أمان لأمتهم في أوقات الهزائم والفتن، وأن يبثوا الأمل واليقين بالله بدلاً من اليأس والتشاؤم.
حسن الظن بالله في أحلك الظروف: اليقين بأن معية الله كافية لفتح أبواب الفرج من حيث لا يحتسب العبد، وأن الله لا يضيع من توكل عليه بصدق.