التذرع بسنة الأسلاف أو اتهام الدين بالأساطير والاختلاق:
روى الطبري (19/408)مصدر غير محدد١٩/٤٠٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: في قوله تعالى: {إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} قراءتان وتأويلان:
قراءة الجمهور: {خُلُقُ} (بضم الخاء واللام) أي: ما هذا الذي نحن عليه من الدين والعبادة والحياة والموت إلا عادة الأولين وسنتهم وسيرتهم وطريقتهم؛ كانوا يعيشون ويموتون ولا يعذبون، ونحن على آثارهم سائرون.
وقرأ ابن كثير والكسائي وأبو جعفر: {خَلْقُ الْأَوَّلِينَ} (بفتح الخاء وسكون اللام) أي: ما هذا الذي جئتنا به يا هود إلا كذب وافتراء واختلاق الأولين، أساطير سطروها واختلقوها ليروعوا بها الناس.
قال ابن كثير (6/159)مصدر غير محدد٦/١٥٩: "على قراءة الضم: أي دين الأولين وسنتهم ومذهبهم؛ وعلى قراءة الفتح: أي كذب الأولين وافتراؤهم؛ وكلا المعنيين متقارب في كفرهم وجحودهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنْ}: حرف نفي مبني على السكون بمعنى (ما).
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، (ذا) اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ؛ والإشارة إما لما هم عليه من الشرك والحياة، أو لما جاء به هود من الإنذار والبعث.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{خُلُقُ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والخُلُقُ: العادة والسجية والطبيعة والدين؛ وعلى قراءة الفتح {خَلْقُ}: مصدر بمعنى الاختلاق والافتراء والكذب.
{الْأَوَّلِينَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ ومجموع الجملة مقول القول لعاد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرجوع إلى الحصن الجاهلي الدائم:
لما أعلنوا عدم اكتراثهم بالوعظ ({سَوَاءٌ عَلَيْنَا})، عللوا ذلك بأن واقعهم ليس إلا استمراراً طبيعياً لنهج آبائهم الأولين؛ أو أن كلام هود مجرد أساطير مكررة ورثها عمن سبقه؛ فقطعوا كل حبل للتفكير المستقل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مغالطة التطبيع مع الباطل بالتقادم الزمني:
محاكمة عقلية تفكيكية: قالوا: "هكذا عاش الأولون وهكذا ماتوا، فما الجديد الذي يدعونا للخوف؟!"؛ وهذه مغالطة تخلط بين "الوجود التاريخي للشيء" وبين "صحته ومشروعيته"؛ فكون الأولين عاشوا على الشرك والترف لا يجعله حقاً، بل يجعله وباءً متوارثاً أهلك الأسلاف وسيُهلك الأخلاف إن ساروا على خطاهم.
أسلوب الحصر والقصر بـ {إِنْ... إِلَّا}: تأكيد على قناعتهم التامة الراسخة بأن الدين مجرد عادات موروثة أو أساطير ملفقة.
التعبير بـ {الْأَوَّلِينَ}: استدعاء لهالة السلف والماضي لتبرير الركود العقلي والتكاسل عن النظر في براهين التوحيد.
تدبر تشابه قلوب المكذبين: نفس التهمة التي رماها كفار مكة لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا}، رمتها عاد لهود قبل آلاف السنين!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رفض صنمية التقاليد والعادات: المؤمن يحكم على العادات والتقاليد بميزان الشرع؛ فما وافق الشرع قُبل، وما خالفه نُبذ ولو كان "خلق الأولين".
الثبات على الوحي: أهل الباطل يصفون الحق بالرجعية أو الأساطير؛ فلا ينبغي للمسلم أن يهتز أمام هذه الدعاوى الباطلة.