روى الطبري (19/438)مصدر غير محدد١٩/٤٣٨ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ} أي فيقول هؤلاء المشركون حين يباغتهم العذاب وتوقن نفوسهم بالهلاك تحسراً وتمنياً للمحال: هل نحن مؤخرون وممهلون شيئاً من الزمان فنؤمن ونعمل صالحاً ونتوب إلى الله؟! والإنظار: هو التأخير والإمهال؛ فلا يمهلون ولا ينظرون طرفة عين.
قال ابن كثير (6/166)مصدر غير محدد٦/١٦٦: "أي يتمنون لو أُمهلوا قليلاً ليتوبوا ويؤمنوا، كما قال تعالى: {وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}؛ فيجابون بالرد والتقريع: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ}".
قال القرطبي (13/132)مصدر غير محدد١٣/١٣٢: "الاستفهام بمعنى التمني؛ أي ليتنا ننظر ونؤخر، أو سؤال طمع في غير حينه؛ فلا جواب لهم إلا الخيبة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَيَقُولُوا}: الفاء عاطفة للتعقيب؛ {يَقُولُوا}: فعل مضارع منصوب بحذف النون معطوف على {يَأْتِيَهُم} أو {يَرَوُا}، والواو ضمير متصل فاعل.
{هَلْ}: حرف استفهام مبني على السكون يتضمن معنى التمني والاستعطاف الممتنع.
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.
{مُنظَرُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم؛ وهو اسم مفعول من أنظر، أي مؤخرون ممهلون؛ وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فتحول الكبرياء والعناد إلى ذلة وانكسار ورجاء لأدنى مهلة بعد فوات الأوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استحالة الإنظار بعد نزول القضاء:
محاكمة سننية قاطعة: دار الدنيا هي دار المهلة والإنظار؛ وقد أمهلهم الله عقوداً وأرسل إليهم الرسل وأنذرهم الآيات؛ فلما جاء أمر الله انتهى زمن المهلة وبدأ زمن الجزاء المحتوم؛ فالطلب في هذه اللحظة عبث لا يلتفت إليه العدل الإلهي: {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ}.
صيغة الاستفهام بـ {هَلْ}: إشعار بالذلة والاستعطاف البائس والتطلع الخائب لأي بارقة أمل.
الجملة الاسمية {نَحْنُ مُنظَرُونَ}: رغبة في استقرار صفة التأخير والإمهال ولو لدقائق يسيرة يتنفسون فيها ويتداركون ما فات.
تدبر نعمة المهلة الحاضرة: أنت اليوم في زمن "الإنظار" الذي يتمناه أهل القبور؛ أنفاسك بيدك فتب إلى الله قبل أن تصرخ: {هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ} فلا يُلتفت إليك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استغلال فرصة العمر: الحياة فرصة واحدة لا تتكرر، وبانقضاء الأجل يُغلق ديوان العمل؛ فالعاقل من استثمر مهلته في التقوى.
الحذر من الركون إلى الأماني: أماني الكفار بالتأخير يوم القيامة درس حي للمسلم ألا يسوف التوبة وألا يتكل على أماني الغفران بلا عمل.