روى الطبري (19/423)مصدر غير محدد١٩/٤٢٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ} قالوا: هي امرأة لوط الكافرة (واسمها واهِلة أو والِهة)، كانت عجوز سوء تظاهر قومها على كفرهم وتدلهم على أضياف لوط وتفشي أسراره وتعينهم على فواحشهم؛ فاستثناها الله من النجاة وأمر لوطاً ألا يحملها معه، فبقيت في الهالكين الغابرين ونزل بها من الحجارة والعذاب ما نزل بقومها.
قال ابن كثير (6/162)مصدر غير محدد٦/١٦٢: "استثنى تعالى امرأة لوط، وكانت كافرة تابعة لقومها على دينهم وخيانتهم؛ فبقيت في الغابرين، أي في الباقين في العذاب حتى أهلكها الله معهم، ولم يغنِ عنها قربها من لوط شيئاً؛ كما قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}".
قال القرطبي (13/123)مصدر غير محدد١٣/١٢٣: "الغابر: الباقي في الهلاك بعد مضي الناجين؛ يقال: غَبَرَ الشيء إذا بقي ومضى غيره؛ وعبر عنها بالعجوز تحقيراً لشأنها وتنبيهاً على دناءة رأيها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{عَجُوزًا}: مستثنى منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ وهو استثناء متصل من {أَهْلَهُ}؛ لأن الزوجة تدخل في عموم الأهل لغةً وعرفاً.
{فِي}: حرف جر للظرفية والمصاحبة.
{الْغَابِرِينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور في محل نصب نعت لـ {عَجُوزًا} أو حال منها؛ والغابرون: هم الباقون في العذاب والديار بعد رحيل السائرين الناجين؛ وهو اسم فاعل من غَبَرَ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
روعة الاستثناء بعد التوكيد العام:
في الآية 170 قال: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ}، ثم عقب مباشرة بالاستثناء الصارم: {إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ}؛ لبيان أن القرابة النسبية والزوجية لا قيمة لها إذا انقطعت رابطة الإيمان؛ وأن العدالة الإلهية تنفذ بدقة متناهية فلا تحابي زوجة نبي إن كانت كافرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط حجة الشفاعة بالنسب دون الإيمان:
محاكمة عقدية صارمة: كانت امرأة لوط تأكل في بيت النبوة، وتبيت تحت سقف واحد مع كليم الله، وتشاهد كراماته ومعجزاته عياناً؛ ولكن كل هذا القرب لم يدفع عنها حجراً واحداً من حجارة سجيل حين كفرت ورضيت بالمنكر؛ فتقرر بالبرهان القاطع: "مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ"، والنجاة إنما هي بالتوحيد الخالص لا بالأنساب.
تنزيه الأنبياء عن خيانة الفراش: خيانة امرأة لوط كانت خيانة عقدية ودعوية بالدلالة على الأضياف وممالأة الكفار، ولم تكن خيانة في الفراش؛ فالأنبياء معصومون من بغاء أزواجهم صيانةً لمقام النبوة الشريف.
التعبير عنها بـ {عَجُوزًا}: تجريد لها من شرف الزوجية للوط، وتحقير لحالها؛ فهي امرأة متقدمة في السن كان الأليق بها التوبة والزهد وملازمة نبي الله، ولكنها أصرت على الخيانة والفسوق حتى ماتت في الرجس.
تنكير {عَجُوزًا}: للتحقير والتصغير لشأنها عند الله.
تدبر خطورة بطانة السوء: كيف يبتلى الداعية أحياناً بأقرب الناس إليه في بيته، فيكون ذلك بلاءً وتمحيصاً لصدقه وتجرده لله رب العالمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الولاء العقدي يعلو فوق كل الروابط: رابطة الدين والإيمان هي الرابطة الوحيدة التي تعتمد عند الله يوم الحساب؛ فلا تغرنك مصاهرة الصالحين إذا لم تكن عاملاً بصلاحهم.
خطورة الرضا بالمنكر وممالأة أهله: امرأة لوط لم تكن ترتكب فاحشة اللواط بنفسها، ولكنها كانت راضية عنها تدل عليها وتعين أصحابها؛ فاستحقت نفس عذابهم؛ فالرضا بالمعصية كالمشاركة فيها.