روى الطبري (19/313)مصدر غير محدد١٩/٣١٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد في قوله: {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} أي ما يصنع بكم وما يبالي بكم وما يفعل بعذابكم ربي، فأنتم هينون عليه لا قدر لكم ولا وزن عنده، {لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} وله وجهان مأثوران جليلان:
الوجه الأول (دعاؤكم إياه): أي لولا عبادتكم له، وتضرعكم، وطاعتكم، وسؤالكم إياه التوحيد؛ فما خلقكم إلا لعبادته والدعاء هو العبادة.
الوجه الثاني (دعاؤه إياكم): أي لولا دعاؤه لكم إلى الإسلام وإرسال الرسل إليكم وإنذاره لكم بالفرقان ليعذر إليكم؛ فلولا هذه الدعوة ما بالى بإهلاككم طرفة عين.
معنى {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}:
روى البخاري (رقم 4768)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٦٨ ومسلم (رقم 2798)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٩٨ في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "خمس قد مضين: اللزام، والروم، والبطشة، والقمر، والدخان"؛ فاللزام عند ابن مسعود وجمهور المفسرين هو ما لزمهم من القتل والنكال يوم بدر؛ وقيل: هو عذاب جهنم اللازم الدائم الذي لا يفارقهم.
قال ابن كثير (6/131)مصدر غير محدد٦/١٣١: "يقول تعالى لنبيه آمراً له أن يخبر الناس: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} أي لا يكترث بكم ولا يبالي إن لم تعبدوه؛ فإنه غني عن العالمين، وإنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه، {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} أيها الكافرون بما جاءتكم به الرسل، {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} أي فسوف يكون تكذيبكم مفضياً إلى عذاب لازم لكم ملازم لا ينفك عنكم في الدنيا والآخرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت.
{مَا يَعْبَأُ}: "ما" نافية، أو اسم استفهام إنكاري في محل نصب مفعول مطلق (أي أي عبء يعبأ بكم). يعبأ فعل مضارع مرفوع بالضمة، يقال: ما عبأت به عبأً، أي ما باليت به ولا اعتددت به وزناً وقدراً، وأصله من العبء وهو الثقل والحمل.
{بِكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ "يعبأ".
{رَبِّي}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{لَوْلَا}: حرف امتناع لوجود، شرطية غير جازمة.
{دُعَاؤُكُمْ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وخبره محذوف وجوباً تقديره موجود. والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله (دعاؤكم إياه) أو إلى مفعوله (دعاؤه إياكم).
{فَقَدْ}: الفاء فصيحة، قد حرف تحقيق.
{كَذَّبْتُمْ}: فعل ماض والتاء فاعل والميم للجمع.
{فَسَوْفَ}: الفاء عاطفة لترتيب الوعيد، سوف حرف استقبال وتأكيد للمستقبل.
{يَكُونُ}: فعل مضارع ناقص مرفوع، واسمه ضمير مستتر يعود على التكذيب أو العذاب أو القتل.
{لِزَامًا}: خبر كان منصوب بالفتحة؛ واللزام في لغة العرب: الملازم الذي لا يفارق، مصدر لزم، أو هو اسم لما يلزم الإنسان ولا انفكاك له منه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة جامعة تضرب على وتر الفرقان: بعد أن فصلت السورة الفرق بين طريق الكفر والتكذيب وبين طريق عباد الرحمن وجزائهم في الغرفة، جاءت هذه الآية الختامية الفاصلة لتقرر القيمة الوجودية الحقيقية للإنسان في نظر خالقه: العبودية والدعاء. فمن كذب وفرط في هذا الدعاء فلا وزن له ولا قيمة، وعاقبته اللزام المحتوم.
التناسق التام مع مطلع السورة: افتتحت السورة بإنذار الكافرين ببركة تنزيل الفرقان للعالمين، وتختتم ببيان أن عدم الاستجابة لهذا الفرقان يوجب الهوان واللزام وعذاب يوم بدر والقيامة؛ فالتأم طرفا السورة في سياق محكم معجز.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
غنى الله المطلق عن خلقه وحاجة الخلق إليه:
محاكمة عقلية قاطعة تسقط كل كبرياء بشري وزهو مادي؛ فالبشرية برمتها لا تزن عند الله جناح بعوضة لولا صلتها به بالعبادة والدعاء.
طاعة الطائعين لا تزيد في ملك الله شيئاً، ومعصية العاصين وتكذيبهم لا تنقص من سلطانه شيئاً؛ فالإنسان هو المحتاج الفقير إلى ربه في كل نفس.
حتمية الجزاء والعدالة الإلهية:
قوله {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} يبين أن سنن الله في أخذ المكذبين ماضية لا تتخلف؛ فإن أمهلهم في الدنيا فلن يهملهم، ويوم بدر والنكال الأخروي برهان ساطع على لزوم العقاب لكل من كذب بالفرقان.
الاستعارة في لفظ {يَعْبَأُ}: مأخوذة من وضع الشيء في مكانه ووزنه وحمله؛ لإبراز هوان المعاند وتفاهته عند الله حتى كأنه لا وزن له ولا قيمة.
الإيجاز المعجز في {لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}: جمعت حقيقة الغاية من خلق الكون والإنسان؛ فالدعاء مخ العبادة وأصل الصلة بين العبد وربه.
التهويل في التعبير بـ {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}: حذف اسم كان هنا ليذهب ذهن السامع إلى كل ألوان العذاب والنكال والموت والأسر، فهو لزام دنيوي بالهزيمة، ولزام برزخي بالسؤال، ولزام أخروي بجهنم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة الدعاء والافتقار إلى الله: إدراك أن قيمة العبد ومكانته عند ربه مرتبطة بمدى دعائه وتضرعه وافتقاره؛ فمن أراد أن يكون له وزن عند الله فليكثر من السجود والدعاء.
اليقين بنصر الله وهلاك المكذبين: تطمين قلوب الدعاة والمستضعفين بأن تكذيب المعاندين سيفضي بهم حتماً إلى اللزام والهزيمة المنكرة وسقوط عروش الباطل.
ختام السورة بالوجل والرجاء: ختم قراءة سورة الفرقان بالرجوع إلى الله والاستعاذة من التكذيب والغفلة، وسؤاله سبحانه أن يجعلنا من عباد الرحمن المقبولين.