أخرج الطبري (19/421)مصدر غير محدد١٩/٤٢١ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} قال: "أكثرهم يكذبون؛ يزعم أحدهم أنه قتل ولم يقتل، وأنه جاد ونحر ولم ينحر، وأنه فعل وفعل ولم يفعل شيئاً من ذلك".
وقال قتادة والضحاك: "يتبجحون بالشجاعة والكرم وهم أجبن الناس وأبخلهم، ويدعون المكارم وهم بمعزل عنها".
وقال القرطبي (13/149)مصدر غير محدد١٣/١٤٩: "هذا وصف للشعراء الذين شأنهم الكذب والمفاخرة والادعاء؛ ينسبون إلى أنفسهم الفضائل وهم خلو منها، ويعدون ويمنون ولا يفون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{يَقُولُونَ}: القول هو النطق باللسان، واستعمل هنا للدلالة على سهولة إطلاق الدعاوى العريضة.
{مَا لَا يَفْعَلُونَ}: أي يدعون البطولات والمفاخر والأفعال وهم كاذبون عاجزون عن تحقيقها في الواقع.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَأَنَّهُمْ}: الواو عاطفة، "أن" واسمها معطوفان على "أنهم" في الآية السابقة.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ {يَقُولُونَ}.
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{يَفْعَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف تقديره "ما لا يفعلونه".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إكمال أركان المفارقة الأخلاقية:
في الآية السابقة بيّن تشتتهم الفكري والعقدي: {فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ}.
وهنا بيّن عيبهم الأخلاقي والعملي الفاضح: وهو الانفصام التام بين أقوالهم وأفعالهم: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}.
فاجتمع فيهم نقص الفكر ونقص الخلق؛ بينما رسول الله ﷺ كان خلقه القرآن، وكان أسبق الناس إلى تطبيق ما يدعو إليه، فكانت حياته تجسيداً عملياً حياً لرسالته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مصداقية النبي في تطابق قوله وعمله:
محاكمة حاسمة تكشف بطلان زعمهم: الشاعر يدعي الصبر عند البأس فإذا حمي الوطيس فرّ، ويدعي الجود وهو ممسك. أما محمد ﷺ فكان إذا اشتد البأس واحمى الوطيس اتقى به الصحابة لقربه من العدو كما روى علي رضي الله عنه، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان يبيت طاوياً ويطعم غيره. فهل يشبه هذا النمط الرباني أولئك الشعراء الأدعياء؟! العقل والإنصاف يقضيان بالبون الشاسع بين الصدق المحمدي وزيف الشعراء.
التعبير بالموصول {مَا لَا يَفْعَلُونَ} يعمم النفي ليشمل كل ما يتشدقون به من ادعاءات جوفاء.
تدبر شناعة الانفصام: أبغض الأخلاق عند الله وعند العقلاء أن يعيش الإنسان في عالم الدعاوى اللسانية مع خلو الواقع من العمل والصدق؛ كما قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مطابقة القول للعمل أصل المصداقية والتأثير:
لا تؤتي الدعوة ثمارها في قلوب الناس إلا إذا رأوا الداعية أول من يمتثل أوامر الله وينتهي عن زواجره.
التحذير من النفاق القولي والادعاءات الزائفة في الخطاب الثقافي والإعلامي؛ فالعبرة بالحقائق لا بالمظاهر والأقوال الرنانة.