روى الطبري (19/441)مصدر غير محدد١٩/٤٤١ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} قالوا: أرسلنا الرسل تذكرة وموعظة وذكراً للعباد، ليتذكروا ويخافوا ويتوبوا؛ وما كنا ظالمين لأحد من خلقنا فنهلك قوماً قبل أن نبعث إليهم رسلاً ينذرونهم ويوضحون لهم سبل الهدى.
قال ابن كثير (6/167)مصدر غير محدد٦/١٦٧: "أي تذكرة وعبرة للناس؛ {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} أي وما كنا لنعذب أحداً حتى نقيم عليه الحجة بالإنذار؛ كما قال: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}".
قال القرطبي (13/133)مصدر غير محدد١٣/١٣٣: "{ذِكْرَىٰ}: مفعول لأجله، أي أنذرناهم للذكرى والموعظة؛ أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه الآيات ذِكرى)؛ {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} نفي لصفة الظلم عن الله تعالى في إهلاك المكذبين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ذِكْرَىٰ}: مفعول لأجله منصوب بفتحة مقدرة على الألف (أي أهلكناهم أو أنذرناهم لأجل التذكرة والموعظة)، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (الأمر ذكرى)، أو مصدر في موضع الحال من المنذرين.
{وَمَا}: الواو حالية أو عاطفة، {مَا}: حرف نفي مبني على السكون.
{كُنَّا}: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
{ظَالِمِينَ}: خبر {كُنَّا} منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة مستأنفة مقررة لبراءة الله من الظلم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج قاعدة الإعذار بنفي الظلم:
انتظمت الآيتان في أروع سبك:
الآية 208 قررت إرسال المنذرين لكل قرية ({إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ}).
فبرئت ساحة الألوهية ونفذت مشيئة العدل الإلهي في العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تنزيه الله المطلق عن الظلم:
محاكمة عقدية خالصة: الظلم مستحيل في حق الله تعالى؛ لأن الظلم إما تصرف في ملك الغير بغير إذنه والله مالك كل شيء، أو مجاوزة لحدود الشريعة والله هو المشرع الحكيم؛ وهو سبحانه حرم الظلم على نفسه كما في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا" (رواه مسلم 2577)؛ فإهلاك الظالمين بعد الإنذار هو عين العدل والحكمة.
الإيجاز في لفظ {ذِكْرَىٰ}: كلمة واحدة تختصر رسالة الأنبياء؛ فالقرآن والرسل تذكرة للفطرة الكامنة لتستيقظ من سباتها.
صيغة النفي بـ {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ}: استعمال (كان) مع اسم الفاعل تفيد نفي الشأن والاستحقاق؛ أي ليس من شأننا ولا يتفق مع جلالنا وكمالاتنا أن نظلم عبداً قط.
تدبر موعظة الإهلاك: إهلاك الأمم السالفة ليس مجرد تاريخ بل هو "ذكرى" حية للمؤمنين ليزدادوا خشية ويقيناً بنصر الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العدل أساس الحكم والتربية: على المسلم أن يتخلق بالعدل وينزه نفسه عن ظلم الضعفاء؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة.
الاستجابة للذكرى: القلوب المؤمنة تنتفع بالذكرى وتنيب إلى ربها، والقلوب القاسية تموت فيها الموعظة حتى يباغتها العذاب.