روى الطبري (19/322)مصدر غير محدد١٩/٣٢٢ عن قتادة ومجاهد: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ} في نقمته وبطشه بمن كفر به وكذب رسله وعانده، لا يغلبه غالب ولا يمتنع منه ظالم؛ {الرَّحِيمُ} بالمؤمنين من عباده، وبرسله، وبمن تاب وأناب ورجع إلى طاعته، ورحيم كذلك بإمهال العصاة وتأخير العقوبة عنهم لعلهم يتوبون.
قال ابن كثير (6/136)مصدر غير محدد٦/١٣٦: "{الْعَزِيزُ} أي القوي القاهر المنيع الجناب، الذي أعز كل شيء فقهره وغلب كل شيء فأخضعه، {الرَّحِيمُ} بخلقه، اللطيف بعباده، فلا يعاجل من عصاه بالعقوبة بل ينظره ويحلم عليه؛ وهو رحيم بأوليائه ينصرهم وينجيهم في الدنيا والآخرة".
بين القرطبي (13/92)مصدر غير محدد١٣/٩٢: تكرار هذه الخاتمة بعد كل قصة في السورة يؤكد هذين الاسمين الجليلين؛ فبالعزة أهلك الطغاة والمكذبين (فرعون، وقوم نوح، وعاداً، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة)، وبالرحمة نجى المرسلين وأتباعهم المؤمنين من بطش الجبابرة وأهوال العذاب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِنَّ}: الواو عاطفة أو استئنافية، "إن" حرف توكيد ونصب.
{رَبَّكَ}: رب اسم إن منصوب بالفتحة، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{لَهُوَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، "هو" ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو مبتدأ.
{الْعَزِيزُ}: خبر إن مرفوع بالضمة (أو خبر المبتدأ هو والجملة خبر إن). والعزيز: اسم من أسماء الله الحسنى، وهو الغالب القاهر الذي لا يُرام جنابه، مأخوذ من العزة وهي القوة والمنعة والغلبة.
{الرَّحِيمُ}: خبر ثان لـ "إن" مرفوع بالضمة، وهو ذو الرحمة الواسعة العظيمة الواصلة إلى خلقه، صيغة مبالغة على وزن فعيل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال الخاتمة للازمة المتكررة: تكامل مبهر مع الآية السابقة؛ فبعد تقرير كفر الأكثرية في قوله: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}، جاء التذكير بأن الله قادر بعزته على استئصالهم وقهرهم، ولكنه برحمته يمهلهم، وبرحمته يؤيد نبيه ويحفظه من كيدهم.
التمهيد لبدء الموكب القصصي: هذه الآية تختم المقدمة العامة للسورة، لتفتح الباب مباشرة لأول وأعظم مشهد قصصي في السورة: قصة موسى مع فرعون: {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، ليتجلى معنى العزة في غرق فرعون، ومعنى الرحمة في نجاة موسى وبني إسرائيل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة الجمع بين العزة والرحمة:
كمال الصفات في الإسلام قائم على التوازن والتكامل؛ فالقوة والعزة المجردة بلا رحمة قد تكون بطشاً وظلماً وفظاظة، والرحمة المجردة بلا عزة وقوة قد تكون ضعفاً وعجزاً وخوراً؛ فإذا اجتمعت العزة القاهرة مع الرحمة السابغة كان ذلك غاية الكمال والجمال والجلال الذي لا يليق إلا برب العالمين.
وعزة الله لا تنافي رحمته، ورحمته لا تمنع إنفاذ عزته في الظالمين.
خصوصية الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {رَبَّكَ}:
إضافة الربوبية إلى كاف الخطاب {رَبَّكَ} رسالة طمأنة وتثبيت مطلقة؛ أي إن الذي يتولى تربيتك ونصرتك وحفظك هو الرب العزيز القادر على قهر أعدائك، الرحيم بك وبأمتك؛ فكن واثقاً بنصره متوكلاً عليه.
وكل هذه المؤكدات لترسيخ هذه الحقيقة الكبرى في قلوب المؤمنين في أحلك ظروف المحنة والاستضعاف.
تدبر الترجيع الموسيقي والمعنوي: هذا الختام الإيقاعي المتكرر يعيد التوازن النفسي للمسلم كلما قرأ تاريخ الهلاك والنجاة في السورة، فيمتلئ قلبه رهبة من عزة الله ورغبة في رحمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجمع بين الخوف والرجاء في السلوك: أن يعبد المسلم ربه مستحضراً عزته فيخافه ويجتنب معاصيه، ومستحضراً رحمته فيرجوه ولا يقنط من فضله ومغفرته.
استمداد العزة من العزيز: ألا يذل المؤمن نفسه أمام الطغاة وأصحاب الجاه الزائل؛ فالعزة كلها لله العزيز الرحيم، ومن اعتز بغير الله ذل.
الثقة بنصر الله للمستضعفين: اليقين بأن بطش الظالمين محكوم بعزة الله وقدرته، وأن عاقبة الصابرين هي الفوز برحمته في الدنيا والآخرة.