اتخاذ القصور والحصون المشيدة بوهم الخلود في الدنيا:
روى الطبري (19/405)مصدر غير محدد١٩/٤٠٥ عن مجاهد وقتادة وابن عباس: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} قالوا: المصانع هي القصور المشيدة، والحصون المنيعة، والبروج المشرفة، وقيل: مآخذ الماء وأحواضه العظيمة المحفورة في الصخر؛ {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي كأنكم تظنون وتأملون أنكم تخلدون في هذه الدار ولا تموتون أبداً، فتشيدون بناء من لا يظن أنه يموت.
قال ابن كثير (6/158)مصدر غير محدد٦/١٥٨: "المصانع: القصور والحصون؛ وقال قتادة: هي مآخذ الماء؛ وقوله {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي رجاء أن تبقوا في هذه الدار خلوداً دائماً، وحالكم في تشييدها حال من لا يخطر الموت بباله".
قال القرطبي (13/116)مصدر غير محدد١٣/١١٦: "المصانع: جمع مصنعة، وهي الأبنية المحكمة؛ شبه حالهم في استيثاقهم من الأبنية بحال من يخلد ولا يموت".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَتَتَّخِذُونَ}: الواو عاطفة، {تَتَّخِذُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والاتخاذ: افتعال للطلب والحرص والاصطناع والتكلف في البناء.
{مَصَانِعَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع.
{لَعَلَّكُمْ}: {لَعَلَّ}: حرف مشبه بالفعل يفيد الترجي والتوقع، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها، والميم للجمع.
{تَخْلُدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة خبر {لَعَلَّ}؛ ومجموع الجملة في محل نصب حال من فاعل {تَتَّخِذُونَ} بتأويل: مشبهين بمن يرجو الخلود، أو تعليلية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع بين البطر في الآفاق والوهم في القصور:
في الآية السابقة أنكر عليهم البناء الاستعراضي العابث على الطرق والمرتفعات ({بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً})، وهنا أنكر عليهم البناء السكني والحصين القائم على طول الأمل ونسيان الآخرة ({وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ})؛ لتتكامل صورة الغرور الحضاري المادي لعاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان وهم الخلود بالتحصينات المادية:
محاكمة عقلية قاطعة: هل الحصون تمنع الموت؟!
القرآن يقرر في سورة النساء: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}؛ فعاد صنعت حصوناً صخرية وقصوراً بالغة الإحكام والقوة، ولكن هل أخرت الحصون ريح العقيم دقيقة واحدة؟! دخلت الريح في خياشيمهم وألقتهم كأنهم أعجاز نخل خاوية داخل مصانعهم وحصونهم!
التشبيه الضمني في {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}: تشبيه لحالهم في البناء الشديد الاستيثاق بحال من يظن أنه باقٍ مخلد لا يباغته الموت؛ وهو توبيخ لسوء تقديرهم وسفه غفلتهم.
صيغة الافتعال في {تَتَّخِذُونَ}: تدل على التكلف الشديد وبذل الأعمار والأموال في تشييد هذه المصانع.
تدبر موعظة القبور: كم رأينا من شيد قصراً باذخاً وذهب يفرشه بأثمن الأثاث، فمات قبل أن يبيت فيه ليلة واحدة وحُمل في خرقة إلى حفرة ضيقة!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قصر الأمل والاستعداد للرحيل: ينبغي للمسلم أن يعمر دنياه بالصالحات مع يقين تام بأنها دار ممر لا دار مقر، وأن القصر الحقيقي هو ما تبنيه في جنة الخلد.
التحرر من غفلة البناء: لا تدع زخرف العمارة وحب التملك يشغلك عن طاعة الله وذكر الموت وهادم اللذات.