قبول فرعون للتحدي واستدراجه إلى المعجزة في الآثار:
روى الطبري (19/340)مصدر غير محدد١٩/٣٤٠ عن قتادة ومجاهد والسدي: {قَالَ} فرعون لموسى مجيباً للتحدي على كره منه وخوف واضطرار أمام ملئه: {فَأْتِ بِهِ} أي فأحضر هذا الشيء المبين وأظهره لنا في مجلسنا لنراه، {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في دعواك أنك رسول رب العالمين، وفي زعمك أن معك آية مبينة؛ وكان فرعون يظن أن موسى يدعي ويكذب وأنه سيعجز عن الإتيان بشيء فيفتضح أمره أمام الملأ.
قال ابن كثير (6/143)مصدر غير محدد٦/١٤٣: "أي قال فرعون: هات ما جئت به وأظهره، إن كنت صادقاً فيما تدعيه؛ وفرعون يعلم في قرارة نفسه أنه كاذب، ولكنه أراد أن يختبر أمر موسى أمام الحاضرين، ليتبين أهو صاحب برهان أم متخرص".
بين القرطبي (13/108)مصدر غير محدد١٣/١٠٨: وقع فرعون في الفخ الذي نصبه لنفسه؛ فطلب الآية بنفسه وصار ملزماً بمقتضاها إن ظهرت، وسقطت حجته في التهديد بالسجن مؤقتاً حتى يرى ما يأتي به موسى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (فرعون).
{فَأْتِ}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر (إن كان معك شيء مبين فأتِ به)، ائت فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "ائت"، والضمير يعود على الشيء المبين.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتَ}: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها.
{مِنَ الصَّادِقِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان، والياء علامة الجمع؛ وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره: فأتِ به إن كنت صادقاً. والصدق: مطابقة الخبر للواقع والحقيقة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نقطة التحول الكبرى في المواجهة: موافقة فرعون على طلب الآية {فَأْتِ بِهِ} حولت مجلس العرش من محكمة استبدادية تهدد بالسجن إلى ساحة مفتوحة لاستعراض المعجزات الإلهية الخارقة التي ستخر لها الجباه.
التمهيد الفوري للمفاجأة الكبرى: التحدي في {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} استوجب المبادأة الفورية من موسى بإلقاء العصا دون تردد في الآية التالية مباشرة: {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إلزام الخصم بشروطه ومواثيقه:
محاكمة قانونية تلزم فرعون؛ فبما أنه علق صدق موسى على إحضار البرهان، فإن ظهور هذا البرهان يستوجب عقلاً التصديق والإيمان فوراً وإطلاق بني إسرائيل؛ ونكوص فرعون بعد رؤية المعجزات سيكون دليلاً قاطعاً على عناده وجحوده الصريح للحق بعد وضوحه.
اضطرار الباطل لقبول التحدي:
الباطل حين يُحاصر في زاوية حرجة أمام الجماهير يضطر إلى التظاهر بالنزاهة وقبول المناظرة، وتلك فرصة أهل الحق لإظهار براهين التوحيد الناصعة.
الفاء الفصيحة في {فَأْتِ}: تفيد السرعة والاستعجال المشوب بالريبة؛ ففرعون يريد حسم الموقف والتخلص من هذا الإحراج سريعاً.
التعبير بـ {مِنَ الصَّادِقِينَ} دون "إن كنت صادقاً": للدلالة على اشتراط اندراجه في زمرة أهل الصدق المشهود لهم بالثبات على الحقيقة؛ ليزداد التحدي رسوخاً.
تدبر مكر الله بالطاغية: كيف قاد الله خطى فرعون ولسانه ليطلب المعجزة بنفسه، لتكون حجة عليه وعلى ملئه، وتكون بداية النهاية لعروش طغيانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استغلال الفرص والمنابر المفتوحة: إذا فتح الخصم باب المناظرة وعرض الأدلة، فعلى الداعية أن يبادر بطرح براهين الحق بثقة وشجاعة واستعداد كامل.
الثقة بصدق الرسالة: أن ينطلق المسلم من يقين جازم بأنه يحمل الصدق المطلق من عند الله، وأن الباطل مهزوم حتماً إذا واجه نور الحقيقة.
الصدق رأس مال الداعية: التحلي بالصدق التام في الأقوال والأفعال؛ فالصدق هو البرهان الأكبر على صحة الدعوة ونقاء سريرة الداعية.