روى الطبري (19/358)مصدر غير محدد١٩/٣٥٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} أي قال فرعون معللاً خروجه وحربه: وإن هؤلاء المستعبدين قد فعلوا أفعالاً تغيظنا وتشعل قلوبنا حنقاً وغضباً؛ بخروجهم بغير إذننا، وتمردهم على أمرنا، وأخذهم لأموالنا وحليهم، وتحديهم لهيبتنا وسلطاننا أمام الناس؛ والغيظ هو أشد الغضب المصحوب بحرارة القلب.
قال ابن كثير (6/148)مصدر غير محدد٦/١٤٨: "أي وإنهم في كل وقت يغيظوننا بمخالفتهم وتمردهم، ولا سيما بخروجهم هذا الذي كسر هيبة الملك ودولته؛ والغيظ اعتراف غير مباشر من فرعون بأن هذه الفئة المستضعفة قد استطاعت أن تهز كبرياءه وتسلبه راحته وأمنه".
بين القرطبي (13/118)مصدر غير محدد١٣/١١٨: في هذه الآية كشف لحقيقة دافع الحرب الفرعونية؛ لم تكن حرباً لأجل مصلحة البلاد، بل كانت حرباً بدافع الغيظ الشخصي والانتقام لكبرياء الحاكم الجريح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِنَّهُمْ}: الواو عاطفة، إن حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل اسمها والميم للجمع.
{لَغَائِظُونَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، غائظون خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ اسم فاعل من غاظ يغيظ غيظاً، والغيظ ثوران الغضب الشديد في الباطن عند العجز أو القهر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النقلة من التهوين إلى الاعتراف بالحرقة: بعد أن هون من شأنهم في الآية السابقة ({لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ})، كشف هنا عن باطن قلبه المحترق غيظاً ({وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ})؛ ليوضح لجنوده أن هؤلاء وإن كانوا قلة في عينه إلا أنهم يشكلون خطراً معنوياً وسياسياً أحرق كبرياء الدولة.
التمهيد لإعلان حالة الاستنفار الأمني: هذا الغيظ مهد للآية التالية: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}؛ لتبرير أخذ أقصى درجات الحيطة والاحتراز.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الغيظ: السمة النفسية الدائمة للمستبد في مواجهة الأحرار:
تكشف الآية السيكولوجيا العميقة للظالم؛ المستبد يغيظه جداً أن يرى إنساناً واحداً يتحرر من قبضته ويرفض الركوع له؛ لأن استبداده قائم على الخضوع التام، فإذا تمرد فصيل كسر حاجز الخوف وألهم بقية الشعب للتمرد، وهذا هو سر الغيظ القاتل في قلب فرعون.
بطلان ادعاء الألوهية بالانفعال البشري:
محاكمة عقلية تسقط ألوهية فرعون المزعومة؛ فالإله الحق غني عن العالمين لا يغيظه شيء ولا ينفعل بالحنق والغضب العاجز؛ وفرعون يعترف بلسانه أنه ممتلئ غيظاً وحنقاً من تصرفات مجموعة من العبيد الضعفاء، فأي إله هذا الذي تقهره تصرفات عبيده وتملأ قلبه غيظاً؟!
توكيد الجملة الاسمية بـ "إن" واللام {إِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ}: للدلالة على تمكن الغيظ واستقراره في قلوب الملأ الحاكم.
تقديم {لَنَا}: لبيان أن الغيظ يمس كبرياء فرعون وبطانته بصورة خاصة ومباشرة.
تدبر هيبة المستضعفين: كم هي عظيمة تلك الفئة المؤمنة التي جعلت أعتى إمبراطورية في العالم تقف على أطراف أصابعها من شدة الغيظ والحنق!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إغاظة أعداء الله بالتمسك بالحق: أن يعلم المسلم أن ثباته على دينه واعتزازه بشعائره (كالحجاب، والصلاة، والتمسك بالقيم) يغيظ أهل النفاق والفسوق، وذلك بحد ذاته عمل صالح يؤجر عليه؛ كما قال تعالى: {وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ... إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}.
الحذر من أن يكون قرار الأمة محكوماً بنزوات الحكام وغيظهم: الوعي بمخاطر حروب الانتقام الشخصي التي يشنها الطغاة لإرضاء غرورهم الجريح على حساب دماء الشعوب.
استعلاء الإيمان على حنق الظالمين: الاطمئنان إلى أن غيظ أهل الباطل سيأكل قلوبهم وينقلب حسرة وندامة عليهم في الدنيا والآخرة.