أخرج الطبري (19/411)مصدر غير محدد١٩/٤١١ عن قتادة في قوله: {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ} قال: لا يصلح لهم ذلك ولا يستقيم، {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ}: لا يقدرون عليه ولو أرادوه؛ لأن الله حماه بالشهب والملائكة وحرسه من كل شيطان رجيم.
وقال البغوي في "معالم التنزيل" (6/133)معالم التنزيلالبغوي٦/١٣٣: "أي: ما يصح لهم ولا يتأتى، وما يستطيعون ذلك لعجزهم وضعفهم عن حمل كلام الله وشرعه".
وقرر ابن كثير (6/168)مصدر غير محدد٦/١٦٨ أن الآية جمعت بين انتفاء اللياقة والملاءمة لطباعهم، وبين انتفاء القدرة والإمكان؛ فالشياطين أبعد ما يكونون عن القرآن صلاحاً واقتداراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{يَنبَغِي}: من البغي وهو الطلب، ومعنى "ما ينبغي": ما لا يصح ولا يستقيم ولا يتيسر لعدم ملاءمته وتنافره مع طبيعة الفاعل.
{يَسْتَطِيعُونَ}: السين والتاء للطلب أو المبالغة في القدرة والتمكن، ونفيهما يدل على سلب القدرة تماماً.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَمَا}: الواو عاطفة، "ما" نافية.
{يَنبَغِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على التنزيل بالقرآن.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَنبَغِي}.
{وَمَا يَسْتَطِيعُونَ}: الواو عاطفة، "ما" نافية، {يَسْتَطِيعُونَ} فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، ومفعوله محذوف تقديره "ذلك" أي: حمل القرآن أو النزول به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج الدلالي في إبطال مزاعم المشركين:
نفى أولاً وقوع الفعل: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ}، ثم ارتقى إلى نفي الملاءمة والصلاحية الذاتية: {وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ}، ثم ارتقى إلى نفي القدرة والاستطاعة أصلاً: {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ}.
وهذا من أعلى مراتب البيان في إحكام النفي وبلوغه الغاية القصوى؛ فنفى الوقوع، والملائمة، والإمكان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتفاء القدرة والصلاحية عند الشياطين:
كيف يمتنع الشيطان عن ذلك؟ الامتناع من وجهين:
امتناع طبعي وقدري: القرآن نور وهداية وتوحيد، وطبيعة الشيطان ظلمة وإغواء، فالضدان لا يجتمعان؛ فلا يشتهيه الشيطان ولا يريده.
امتناع قهري جبري: عجز الشياطين عن مجاراة فصاحة القرآن وإحكامه، وعجزهم عن الوصول إليه لحراسة السماء بالرصد والشهب المحرقة؛ فلو جمعوا قواهم لعجزوا عن معارضته أو الإتيان بسورة من مثله.
هذا الأسلوب يسمى في البلاغة بنفي الصلاحية بعد نفي الوقوع تأكيداً للعجز القاطع؛ فالشيء قد لا يقع مع إمكانه، أما هنا فانتفى الوقوع وانتفت الصلاحية وانتفت القدرة.
تكرار حرف النفي {وَمَا... وَمَا} للتأكيد وتوزيع النفي على كل معنى استقلالاً.
تدبر حفظ الدين: دين الله محروس بقوة الحق الذاتية وبقدرة الله التي تقهر كل جبار ومارد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التمييز بين الحق وأهله والباطل وجنده:
كل باطل في الأرض ينكشف بتأمل غاياته ومصادره، فالحق الصافي لا يصدر عن نفس خبيثة دنسة، والشرور لا تثمر إلا فساداً.
الطمأنينة الكاملة لكلام الله: لا يمكن لأهل الباطل وأبالسة الإنس والجن أن يحرفوا جوهر هذا الدين أو يخلطوا فيه ما ليس منه، فالله كافيه وناصره.