روى الطبري (19/354)مصدر غير محدد١٩/٣٥٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {قَالُوا لَا ضَيْرَ} أي أجاب السحرة المؤمنون فرعون بكل استعلاء واستخفاف بوعيده وتهديده: لا ضرر علينا ولا حرج ولا نبالي بما تفعله بنا؛ فاقضِ ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا؛ {إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} أي إنا راجعون وصائرون بعد الموت إلى ربنا الرحيم الجليل، وهو خير لنا منك، وسيثيبنا على صبرنا ويدخلنا جنات النعيم، فعذابك ساعة ونعيم ربنا أبداً.
قال ابن كثير (6/147)مصدر غير محدد٦/١٤٧: "هذا منتهى الشجاعة وعظمة الإيمان؛ لم يبالوا بتهديده بقطع الأيدي والأرجل والصلب، وقالوا: لا ضير، أي لا يضرنا ذلك شيئاً؛ فإن غاية ما تقدر عليه هو إزهاق أرواحنا الفانية، ونحن منقلبون إلى ربنا الذي آمنا به، فينيلنا من كرامته ما ينسينا كل عذاب".
قال عبد الله بن عباس ووهب بن منبه: "كانوا في أول النهار سحرة فجرة يطلبون المال والجاه، فصاروا في آخر النهار شهداء بررة سجدة مضحين بأرواحهم في سبيل الله!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{لَا}: نافية للجنس تعمل عمل "إن".
{ضَيْرَ}: اسم لا نافية للجنس مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره: لا ضير علينا؛ والضَّيْر والضَّرَر والضُّرّ لغات متقاربة بمعنى المكروه والمضرة التي تصيب الإنسان.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و"نا" اسمها في محل نصب.
{إِلَىٰ رَبِّنَا}: جار ومجرور متعلقان بـ "منقلبون"، ورب مضاف و"نا" مضاف إليه؛ وقُدما لإفادة القصر والحصر والاهتمام.
{مُنقَلِبُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ واسم فاعل من انقلب ينقلب، والانقلاب: الرجوع والتحول والصيرورة إلى المرجع والمآل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصدمة المعاكسة للمستبد: كان فرعون يتوقع أن ترتعد فرائصهم ويجثوا على ركبهم مستجدين العفو، فإذا بهم يلقنونه درساً في احتقار جبروته بكلمتين هادئتين: {لَا ضَيْرَ}؛ لتتحول سطوة التعذيب إلى هباء لا قيمة له أمام شموخ الإيمان.
ربط الموت بالرجوع إلى الرب الحقيقي: نقل المشهد من حلبة المحاكمة الأرضية إلى محكمة العدالة الإلهية المطلقة: لسنا نبالي بالقتل لأن غايتنا هي الانقلاب إلى ربنا الرحيم لا إليك!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك سلاح "الخوف من الموت":
محاكمة فلسفية وروحية لسر قوة الإيمان؛ الطغاة يستمدون قدرتهم على قهر الشعوب من خوف الناس من الموت وفقدان المتاع الدنيوي؛ فإذا انكسر حاجز الخوف من الموت في قلوب المؤمنين، سقطت سلطة الطاغية في لحظة واحدة وفقدت أسلحته كل فاعلية وقيمة.
الموت في عقيدة المؤمن ليس فناءً ولا عدماً، بل هو مجرد "انقلاب" ورجوع آمن إلى كنف الرب الحبيب الرحيم.
كرامة الجسد الشهيد:
تقطيع الأطراف والصلب تشويه للجسد الفاني، لكنه عند الله ارتقاء بالروح إلى منازل الشهداء الأبرار، فلا ضير ولا حسرة.
الإيجاز المطلق في {لَا ضَيْرَ}: أوجز تعبير لنسف كل خطابات التهديد والوعيد وسحق كبرياء فرعون بكلمة واحدة باردة كالثلج.
تقديم المعمول {إِلَىٰ رَبِّنَا}: للحصر والاعتزاز؛ أي إلى ربنا وحده لا إلى غيره نرجع، وفي رحمته وحدها نطمع.
تدبر عظمة التحول الإيماني: كيف تنقلب الرؤية الكونية للإنسان حين يشرق نور التوحيد في قلبه؛ فيرى عذاب القياصرة نعيماً وشهادة، ويرى الدنيا بأسرها ظلاً زائلاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحرر من الخوف من المخلوقين: ألا يخاف المسلم في الله لومة لائم، وأن يعلم أن الأجل والرزق بيد الله وحده، وأن أقصى ما يملكه الظالمون هو تقديم موعد اللقاء بالله.
الرضا بقضاء الله واحتساب الآلام: استعذاب المشاق والأذى في سبيل نصرة الحق، واليقين بأن موعد الشهداء هو جنات الخلد.
استحضار مشهد الرجوع إلى الله {إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}: جعل هذا الشعار ديدن المسلم في كل محنة ومصيبة، لتسكن نفسه ويهون عليه كل بلاء دنيوي.