روى الطبري (19/356)مصدر غير محدد١٩/٣٥٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما أصبح فرعون وأُخبر بفرار بني إسرائيل وخروجهم مع موسى ليلاً، استشاط غضباً وتطاير عقله، وأرسل في الحال سراياه ورسله في سائر مدائن مصر وأقاليمها: {فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} يجمعون الجند والعساكر والفرسان من كل المقاطعات، ليدركوا بني إسرائيل قبل أن يصلوا إلى البحر أو يخرجوا من حدود مملكته؛ وكان جيش فرعون مئات الآلاف من المقاتلين المدججين بالدروع والخيول والسلاح.
قال ابن كثير (6/148)مصدر غير محدد٦/١٤٨: "أي استنفر فرعون جنده وعساكره من كل أرجاء مصر، وأرسل الحاشرين لجمع المقاتلة، ليتتبعوا بني إسرائيل ويقضوا عليهم قضاءً مبرماً بزعمه؛ فجمع جيشاً لجبّاً عظيماً لم يتخلف عنه أحد من رؤساء قومه وفرسانه".
بين القرطبي (13/117)مصدر غير محدد١٣/١١٧: تكرر لفظ {حَاشِرِينَ} في السورة؛ المرة الأولى لجمع السحرة للمناظرة في الآية (36)، والمرة الثانية هنا لجمع الجيوش للقتال والاستئصال؛ لبيان أن فرعون جند كل طاقات دولته الفكرية والعسكرية في حربه ضد التوحيد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَأَرْسَلَ}: الفاء عاطفة تفيد السرعة والتعقيب، أرسل فعل ماض مبني على الفتح.
{فِرْعَوْنُ}: فاعل مرفوع بالضمة ممنوع من الصرف.
{فِي الْمَدَائِنِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "أرسل"، والمدائن جمع مدينة.
{حَاشِرِينَ}: مفعول به لـ "أرسل" منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم؛ واسم فاعل يفيد وظيفة الجمع الجبري والاستنفار العسكري للجنود.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة رد الفعل الطاغوتي: الفاء في {فَأَرْسَلَ} تفيد الهستيريا التي أصابت فرعون بمجرد علمه بخروج بني إسرائيل؛ فلم ينتظر ولم يتردد بل أعلن حالة الطوارئ القصوى والاستنفار العام.
التمهيد للخطاب التعبوي الداخلي: إرسال الحاشرين مهد للخطاب السياسي الذي ألقاه فرعون لتبرير هذه الحملة العسكرية الضخمة في الآيات التالية (54 - 56).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
جنون السيطرة ورفض الاعتراف بالهزيمة:
تكشف الآية عقلية الحاكم المستبد؛ فرعون لم يطق فكرة أن يخرج فصيل من البشر من تحت قبضته وسلطانه باختيارهم؛ فالاستبداد مرض يرى في حرية الشعوب وخروجها عن الطاعة جريمة لا تغتفر تستوجب الحشد العسكري وسفك الدماء.
التدبير الإلهي في جمع الظالمين لمصرعهم:
المفارقة التاريخية الكبرى: فرعون يجمع جنوده من كل أقاليم مصر بحجة إبادة بني إسرائيل، والله سبحانه يستدرجه ويجمع كل طواغيت مصر ورؤساء بطشها ليكون غرقهم جماعياً في ساعة واحدة وبحر واحد، فلا يبقى منهم رأس يعيد الاستبداد؛ فكان الحشد استدراجاً ربانياً لهلاكهم.
تقديم الجار والمجرور {فِي الْمَدَائِنِ} على المفعول {حَاشِرِينَ}: لإبراز سعة رقعة الاستنفار التي شملت كل جغرافية المملكة بلا استثناء.
التعبير بـ {حَاشِرِينَ}: يصور دقة التجنيد الإجباري والحزم في جمع المقاتلين وتجريد الجيوش.
تدبر انقلاب الموازين: حشدٌ عسكري هائل بأقوى أسلحة العصر يخرج لمطاردة شعب أعزل من العبيد الهاربين والنساء والأطفال؛ ليتجلى الفرق بين قوة الإيمان وبطش الطغيان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك طبيعة الصراع واستشراس الباطل: أن يعلم المؤمن أن معسكر الباطل لن يهدأ له بال ولن يترك أهل الحق يعيشون بسلام، بل سيحشد كل إمكاناته العسكرية والإعلامية لمطاردتهم.
الثبات عند تحرك قوى الظلم: ألا يتزلزل قلب المسلم إذا رأى استنفار التحالفات الدولية والجيوش لمواجهة الإسلام؛ فالأمر كله لله والتدبير بيده سبحانه.
اليقين باستدراج الظالمين: الاطمئنان إلى أن الله يملي للظالم حتى إذا استجمع قواه واغتر بعدته وبطشه أخذه أخذ عزيز مقتدر.