روى الطبري (19/420)مصدر غير محدد١٩/٤٢٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} أي أتنكحون الرجال في أدبارهم وتتركون ما أحل الله لكم من النساء؟! وهذا استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ لشناعة فعلهم؛ قال قتادة: كان الذكران ينزو بعضهم على بعض كما تنزو البهائم، ولم يكن في بني آدم أحد فعل هذه الفاحشة قبل قوم لوط؛ فابتدعوها واستحلوها.
قال ابن كثير (6/161)مصدر غير محدد٦/١٦١: "ينكر عليهم نبيهم لوط عليه السلام ارتكابهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث؛ وهذا من أعظم الانتكاس في الفطرة وسقوط العقول".
قال القرطبي (13/121)مصدر غير محدد١٣/١٢١: "الإتيان هنا كناية عن الجماع؛ والذكران جمع ذكر؛ والمراد: كيف تفعلون هذا الفعل القبيح الذي تأباه البهائم فتنكحون الذكور من بين سائر أصناف بني آدم؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الذُّكْرَانَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو جمع ذَكَر (مثل رُكبان ورَاكب أو غُلمان وغُلام).
{مِنَ الْعَالَمِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من {الذُّكْرَانَ}؛ أي كائنين من جملة الناس وبني آدم، أو لبيان الجنس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المواجهة المباشرة لأصل الرذيلة:
بعد المقدمات الإيمانية التأسيسية، واجههم لوط مباشرة بصلب جريمتهم الشنعاء: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ}؛ لينتزع عن فاحشتهم غطاء التطبيع، ويسميها بوصفها القبيح المستهجن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان دعاوى الشذوذ ومخالفتها لنواميس الكون:
محاكمة بيولوجية وفطرية حاسمة: الكون كله مبني على سنّة الزوجية والتكامل بين الذكر والأنثى ({وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ})؛ والتقاء الذكر بالذكر شذوذ عقيم يقطع النسل، ويدمر وظيفة الأعضاء، ويورث الأمراض الخبيثة، وتأباه حتى الحيوانات العجماوات؛ فكان صنيع قوم لوط خروجاً على الناموس الكوني العام المحيط، وانتكاساً يهبط بالإنسان دون رتبة البهائم.
الكناية المهذبة بلفظ {أَتَأْتُونَ}: أدب القرآن الرفيع في التعبير عن الأفعال الجنسية المستقذرة بألفاظ تصون الأسماع مع إيصال المعنى بدقة.
التعبير بـ {الذُّكْرَانَ}: إبراز لشناعة الفعل؛ فالذكورة تنافي موضع الشهوة والانفعال الأنثوي، فاجتماع المثلين مناقض لأصل التكوين.
تقييد ذلك بـ {مِنَ الْعَالَمِينَ}: تعجيب من جرأتهم على شذوذ فريد لم تقع فيه أمة من العالمين قبلهم.
تدبر انتكاس البصيرة: إذا استحكمت الشهوة المحرمة على الإنسان، أعمته عن تمييز الرجس من الطيب، وصار يدافع عن خسته كأنها حق مشروع!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجريم الفاحشة وحماية المجتمع: يجب على علماء الأمة ودعاتها مواجهة كل محاولات التطبيع مع الشذوذ الجنسي، وبيان أنه من الموبقات العظام التي توجب اللعنة والدمار.
صيانة الفطرة لدى الناشئة: تربية الأبناء على الحياء والرجولة الصادقة وعزلهم عن المؤثرات الإعلامية المروجة للانحراف الأخلاقي.