روى الطبري (19/398)مصدر غير محدد١٩/٣٩٨ عن قتادة ومجاهد: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي ما أنا إلا منذر أحذركم بأس الله وعذابه، مبين أوضح لكم براهين التوحيد وسبل النجاة بياناً شافياً لا لبس فيه ولا غموض؛ ولست بمالك لقبولكم ولا بمتسلط على أرزاقكم ومصائركم.
قال ابن كثير (6/157)مصدر غير محدد٦/١٥٧: "أي إنما وظيفتي البلاغ والإنذار المبين لكل من أقبل عليَّ وصدقني؛ فمن اتبعني فقد أفلح، ومن كفر بي فقد خسر، ولا أملك أن أطرد من استجاب لي إرضاءً لغيره".
قال القرطبي (13/113)مصدر غير محدد١٣/١١٣: "بين أنه لا يملك خزائن الله ولا يدعي الرئاسة الدنيوية، بل هو نذير يبين الحجة، فاستوى في إنذاره الغني والفقير والحر والعبد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنْ}: حرف نفي مبني على السكون بمعنى (ما).
{أَنَا}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{نَذِيرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والنذير: المخوف المحذر من شر قادم مقروناً بالدليل، فعيل بمعنى مفعل (منذر).
{مُّبِينٌ}: نعت لـ {نَذِيرٌ} مرفوع بالضمة؛ وهو اسم فاعل من أبان، أي ظاهر الإنذار وموضح لطرق الهداية ومظهر لبطلان الشرك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجريد النبوة من دعاوي التحكم والاستبداد:
بعد أن رفض طرد المؤمنين ({وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ})، بين طبيعة مهمته: هو ليس ملكاً يفرز الناس إلى طبقات ويوزع المناصب، بل هو {نَذِيرٌ مُّبِينٌ}؛ والإنذار موجه للناس كافة على قدم المساواة، فمن خاف عذاب الله فمكانه في مقدمة الصفوف مؤمناً مكرماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مهمة الأنبياء إيقاظ العقول لا إرضاء الكبرياء:
المحاكمة العقلية: الرسل لم يأتوا لتملق كبراء القوم وتثبيت امتيازاتهم الظالمة، بل جاءوا بالإنذار الصادق الصادم لكل مستكبر؛ فالمستكبر الذي يطلب تمييزاً عن الفقراء لم يفهم معنى "الإنذار"، ولم يستشعر هول العذاب المشرف عليه الذي يستدعي الوجل والانكسار لا التبجح بالأنساب.