روى الطبري (19/430)مصدر غير محدد١٩/٤٣٠ عن قتادة ومجاهد: {قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي قال شعيب مجيباً لتعجيزهم: ليس إنزال العذاب إليَّ ولا أملكه، وإنما هو إلى ربي؛ وهو أعلم بأعمالكم وخبثكم، وبما تستحقونه من العقوبة ونوعها ومقدارها وتوقيتها؛ فيجازيكم بما تقتضيه حكمته وعدله.
قال ابن كثير (6/164)مصدر غير محدد٦/١٦٤: "أي ربي أعلم بما تستحقونه من الجزاء والنكال؛ فإن شاء عجل لكم العذاب الذي سألتموه، وإن شاء أخركم إلى أجل مسمى؛ فالأمر كله بيده لا بيدي".
قال السعدي (ص 598)مصدر غير محدد٥٩٨: "هذا جواب الحكيم المتوكل؛ رد الأمر إلى الله العليم الذي لا يعجل كعجلة العباد، بل يضع الأشياء في مواضعها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر (شعيب).
{رَبِّي}: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل الياء، والياء مضاف إليه.
{أَعْلَمُ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو اسم تفضيل.
{بِمَا}: الباء حرف جر، {مَا}: اسم موصول في محل جر، والجار والمجرور متعلق باسم التفضيل {أَعْلَمُ}.
{تَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل؛ والجملة صلة الموصول {مَا} لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره (تعملونه)؛ ومجموع الجملة الاسمية مقول القول لشعيب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أدب النبوة في تفويض التوقيت والنوع للرب الخبير:
لما طلبوا منه إسقاط الكسف تعجيزاً، لم يستفزه طلبهم ولم يفتئت على قدر ربه بالوعد العشوائي، بل رد الأمر إلى العليم الحكيم: {رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}؛ ليوضح أن نزول العذاب ليس لعبة يتحكم فيها الرسول، بل هو قضاء إلهي مبني على علم تام بمدى استحقاقهم للعقوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرسل مبلِّغون لا مقاتلون بسياط القدر:
محاكمة عقدية: وظيفة الرسول الإنذار والبلاغ، أما إنزال الآيات وحسم العقوبات فمن خصائص الربوبية المطلقة؛ فجواب شعيب يرسخ توحيد الربوبية ويبين الفارق الهائل بين مقام النبوة ومقام الإلهية.
إضافة الرب لضمير المتكلم {رَبِّي}: إشعار بكمال الصلة والثقة المطلقة بتدبير مولاه الذي ينصره.
استعمال اسم التفضيل {أَعْلَمُ}: للدلالة على الإحاطة التامة بكل خفايا أعمالهم وجرائمهم في الأسواق وخلف الأبواب المغلقة.
تدبر هدوء الواثق: شعيب لم ينفعل ولم يسبهم، بل فوض الحكم إلى الله؛ والسكينة أعظم أسلحة الموقنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تفويض الأمر لله عند انسداد الحوار: متى بلغ الخصم مرحلة العناد والاستهزاء بالوعيد، ففوض أمره إلى الله العليم الخبير وقل: {رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
استحضار علم الله ومراقبته: علم الله المحيط بأعمالنا يورث الخشية والمراقبة في كل صفقة وبيع وشراء.