روى الطبري (19/376)مصدر غير محدد١٩/٣٧٦ عن قتادة ومجاهد: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} أي هو المنفرد بالرزق، ينبت لي الزرع والثمار، وينزل لي الغيث ويفجر الأنهار، وييسر لي الطعام والشراب الذي به قوام جسدي وحياتي.
قال ابن كثير (6/152)مصدر غير محدد٦/١٥٢: "أي هو خالقي ورزاقي، ومجري أسباب الغذاء والري في هذه الدار، فإذا جعت أطعمني، وإذا عطشت سقاني، وهو المفيض لجميع النعم والخيرات".
قال القرطبي (13/105)مصدر غير محدد١٣/١٠٥: "ذكر إبراهيم الطعام والشراب لأنهما أصل قوام البدن واستبقاء الحياة الحسية، فكما ابتدأ بالخلق وهو أصل الإيجاد، ثنى بالرزق وهو أصل الإبقاء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِي}: الواو عاطفة، {الَّذِي}: اسم موصول معطوف على الموصول السابق في محل نصب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج من أصل الإيجاد إلى استمرار البقاء:
الآية السابقة قررت الإيجاد والهداية ({خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ})، والآية الحالية قررت الإمداد الحسي بالغذاء والماء ({يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ})؛ لأن المخلوق بعد إيجاده يحتاج إلى ما يقيم بنيته ويحفظ حياته حتى يؤدي مهمته العبودية.
الرابط اللطيف: الهداية غذاء الروح، والإطعام والسقي غذاء البدن؛ فجمع الخليل بين كمال غذاء الروح والجسد في نسبة النعمة لمنشئهما.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اختصاص الله بالرزق الحقيقي:
قد يظن الجاهل أن الإنسان يرزق نفسه بكسبه أو أن الأرض تمده بمائها وطعامها؛ فأتى الخليل بضمير الفصل {هُوَ} ليرد التدبير إلى مسبب الأسباب؛ فمن خلق البذرة، ومن أجرى السحاب، ومن خلق في البدن آلات الهضم والامتصاص، ومن جعل الماء عذباً فراتاً بعد أن كان ملحاً أجاجاً؟! الأصنام لا ترزق نفسها ذبابة، فكيف ترزق عابديها؟!
تأكيد الحصر بإدخال {هُوَ} قبل الفعلين: في الآية السابقة قال {فَهُوَ يَهْدِينِ} بعد ذكر الفعل، أما هنا فقدم {هُوَ} على الفعل {يُطْعِمُنِي} للاهتمام ببيان انفراد الله بالرزق ودحض وهم اتكال العباد على وسائط الخلق.
حذف ياء المتكلم في {يَسْقِينِ}: لتحقيق النغم القرآني الساحر في الفواصل المتماثلة، ودلالة على الفيض المستمر للسقيا دون انقطاع.
تدبر الاستغناء بالله: من تيقن أن طعامه وشرابه بيد الله وحده، طهر قلبه من ذل السؤال والتملق للخلق من أجل لقمة العيش.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توحيد الرزق يثمر عزة النفس: متى علم المؤمن أن رزقه مقسوم من ربه ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، انقطعت أطماعه عن المخلوقين واشتد يقينه في الرازق المتين.
دوام شكر النعم: استشعار يد الله في كل لقمة وشربة يورث القلب حياءً وامتناناً لله رب العالمين.