روى الطبري (19/419)مصدر غير محدد١٩/٤١٩ عن قتادة ومجاهد وابن عباس: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} قالوا: قوم لوط هم أهل سدوم وعمورة وقرى المؤتفكات في غور الأردن، وكان لوط ابن أخي إبراهيم الخليل عليهما السلام، هاجر معه من أرض بابل إلى الشام، فبعثه الله رسولاً إلى هؤلاء القوم الخبثاء الذين ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين؛ فكذبوا به، فكان تكذيبهم له تكذيباً لجميع المرسلين؛ لأن الرسل متفقون على تحريم الفواحش وإخلاص التوحيد.
قال ابن كثير (6/161)مصدر غير محدد٦/١٦١: "يخبر تعالى عن قوم لوط، وهم أهل سدوم وما حولها، أنهم كذبوا رسولهم لوطاً عليه السلام، فكان ذلك تكذيباً لجميع الرسل؛ لأن دين الأنبياء واحد في الأصول وفروع الأخلاق الكبرى".
قال القرطبي (13/121)مصدر غير محدد١٣/١٢١: "أنث الفعل {كَذَّبَتْ} للقبيلة أو الأمة؛ وجمع المرسلين لأن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَّبَتْ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث الساكنة.
{قَوْمُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{لُوطٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ ولوط منصرف لأنه علم ثلاثي ساكن الوسط.
{الْمُرْسَلِينَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اطراد المطلع القرآني للقصص:
يتطابق هذا المطلع مع مطالع قصص نوح وعاد وثمود؛ لإبراز حقيقة أن الاستكبار البشري يتكرر بنفس النمط، ولكن مع اختلاف نوع الجريمة التي تتلبس بها كل أمة؛ فقوم نوح أشركوا واستهزأوا، وعاد بطشوا وتكبروا، وثمود عقروا الناقة، وقوم لوط انتكست فطرتهم بالفاحشة؛ فالجامع بينهم هو التكذيب المشترك للمرسلين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتكاس الفطرة نتيجة حتمية للتكذيب بالرسالات:
محاكمة نفسية وأخلاقية: حين يكذب القوم بالوحي الإلهي ويعطلون عقولهم، لا يقف انحرافهم عند الشرك العقائدي، بل يهبطون إلى أسفل دركات الانتكاس الحيواني والشذوذ الفطري؛ فالإيمان حارس الفطرة، وإذا زال الإيمان تحول الإنسان إلى كائن يعاف الطهارة ويستمرئ الرجس.
جمع {الْمُرْسَلِينَ}: للدلالة على أن الفاحشة التي ارتكبوها محرمة في جميع شرائع الأنبياء من لدن آدم إلى قيام الساعة؛ فتكذيبهم بلوط تكذيب لإجماع النبوات.
إسناد التكذيب إلى {قَوْمُ لُوطٍ}: تصوير للبيئة الفاسدة التي تواطأت كلها على التكذيب والفسوق إلا بيتاً واحداً من المسلمين.
تدبر عواقب التمرد: كيف تصبح أمة كاملة مضرب المثل في الخزي والدمار بعد أن تخلت عن حياء الفطرة وهدي الوحي!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة المجتمع من الانحرافات الأخلاقية: واجب المسلمين التصدي للشذوذ والدعوات الإباحية بكل حزم؛ لأن انتشار الفواحش نذير شؤم بهلاك الأمم وسقوط الحضارات.
تعظيم حرمات الله: شريعة الله جاءت لحفظ النسل والعرض، وأي اعتداء على الفطرة السوية هو حرب معلنة على الفطرة التي فطر الله الناس عليها.