روى الطبري (19/430)مصدر غير محدد١٩/٤٣٠ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} قالوا: حبس الله عنهم الرياح سبعة أيام، وسلط عليهم حراً شديداً وغماً وأخذ بأنفاسهم حتى كادت أدمغتهم تغلي من شدة الحر، فضاقت عليهم البيوت ونزحوا إلى البراري لا يجدون ظلاً ولا ماءً بارداً؛ فبعث الله سحابة سوداء باردة (الظُّلَّة) ذات نسيم وريح طيبة، فلما رأوها استبشروا وظنوا أنها غيث وظل، فهرعوا جميعاً وتجمعوا تحتها شيوخاً ونساءً وأطفالاً ليتبردوا بظلها؛ فلما تكاملوا واجتمعوا تحتها جميعاً، أطبقت عليهم والتهبت ناراً ورمتهم بالشهب والصواعق الشديدة ورجفت بهم الأرض فاحترقوا عن آخرهم وبادوا جميعاً كأنهم لم يغنوا فيها.
قال ابن كثير (6/164)مصدر غير محدد٦/١٦٤: "هذا من أشنع العذاب وأفظعه؛ طلبوا إسقاط كسف من السماء فأنزل الله عليهم سحابة الظلة فأحرقتهم بنيرانها؛ فكان العذاب من جنس ما طلبوا؛ ولهذا قال: {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}".
قال القرطبي (13/127)مصدر غير محدد١٣/١٢٧: "الظلة: السحابة، وكان هذا اليوم من أعظم أيام العذاب في التاريخ؛ خروجهم للحر ثم اجتماعهم تحت السحابة ثم احتراقهم بالنار والصيحة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَكَذَّبُوهُ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب؛ {كَذَّبُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل والهاء مفعول به.
{فَأَخَذَهُمْ}: الفاء عاطفة لسرعة وقوع الجزاء؛ {أَخَذَ}: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء مفعول به والميم للجمع.
{عَذَابُ}: فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{يَوْمِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، وهو مضاف.
{الظُّلَّةِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والظُّلَّةُ: كل ما أظلك من سحاب أو جبل أو بناء؛ وأريد به هنا: السحابة العظيمة التي أظلتهم ثم أمطرتهم ناراً.
{إِنَّهُ}: إن واسمها، والهاء عائدة على العذاب أو اليوم.
{كَانَ}: فعل ماضٍ ناقص واسمه مستتر.
{عَذَابَ}: خبر {كَانَ} منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
{يَوْمٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{عَظِيمٍ}: نعت لـ {يَوْمٍ} مجرور بالكسرة الظاهرة؛ وجملة كان في محل رفع خبر {إِنَّ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين التحدي والعقاب:
قالوا في الآية 187: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ}، فأسقط الله عليهم "سحابة الظلة" فكانت هي الكسف والقطع المحرقة من السماء؛ فجاءت العقوبة مطابقة تماماً لما اقترحوه استهزاءً ليدركوا هوانهم على الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإيقاع الحكيم بالمستكبرين من مأمنهم:
محاكمة سننية معجزة: لجأ أصحاب الأيكة إلى السحابة طلباً للبرد والظلال والراحة، فكانت تلك السحابة بعينها هي المصيدة التي جمعتهم للهلاك والنار! وهذا مكر الله بالظالمين؛ يسوقهم إلى حتفهم من الباب الذي يظنون فيه نجاتهم، كما جمع الله فرعون في قعر البحر، وأهلك عاداً بالريح التي ظنوها عارضاً ممطرهم؛ فسقطت كل حسابات البشر أمام تدبير الجبار.