روى الطبري (19/330)مصدر غير محدد١٩/٣٣٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {قَالَ} فرعون لموسى منكراً ومذكراً له بفضله المزعوم عليه وتربيته له في قصره: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} أي ألم نلتقطك من اليم صغيراً رضيعاً، ونربك في بيوتنا وأحضاننا، ونكفيك المؤونة والقتل الذي أوقعناه بغيرك من بني إسرائيل؟! {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة، يأكل من طعامهم وينعم برعايتهم.
قال ابن كثير (6/139)مصدر غير محدد٦/١٣٩: "هذا اعتراض من فرعون على موسى؛ أراد أن يكسر حدته ويذكره بنعمته وتربيته له، ليتهمه بنكران الجميل وقلة الوفاء والمروءة؛ كأنه يقول له: أنت ربيبي وخريج قصري، فكيف تأتيني اليوم تدعي الرسالة علي وتطالبني ببني إسرائيل وتنازعني ملكي؟!".
بين القرطبي (13/99)مصدر غير محدد١٣/٩٩: لجأ فرعون إلى حيلة نفسية خبيثة يلجأ إليها الطغاة عند الإفلاس من الحجة؛ وهي التعيير بالماضي والمنّ بالإحسان الخاص، للتهرب من مواجهة القضية الكبرى وهي التوحيد والظلم العام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (فرعون).
{نُرَبِّكَ}: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره نحن (للتعظيم الفرعوني)، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. والتربية: تنشئة الصغير وتغذيته ورعايته حتى يبلغ أشده.
{فِينَا}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (كائناً فينا وفي قصورنا).
{وَلِيدًا}: حال ثانية منصوبة بالفتحة من الكاف؛ والوليد: الصغير حين يولد إلى أن يقارب البلوغ.
{وَلَبِثْتَ}: الواو عاطفة، لبثت فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل. واللبث: المكث والإقامة في المكان.
{فِينَا}: جار ومجرور متعلقان بـ "لبثت".
{مِنْ عُمُرِكَ}: جار ومجرور متعلقان بـ "لبثت" أو بحال مقدمة.
{سِنِينَ}: ظرف زمان منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم (أو مفعول فيه)؛ جمع سنة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مكر الاستدراج النفسي للطاغية: لما قال له موسى: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}، لم يستطع فرعون تفنيد حقيقة رب العالمين في البداية، فقفز إلى حقل المحاكمة الشخصية؛ لعل موسى يستحيي من نعمة سابقة فيخنس ويتراجع.
التمهيد لرد موسى المفحم: هذا المنّ الأجوف مهّد لرد موسى الصاعق في الآية (22): {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ}، ليقلب السحر على الساحر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك مغالطة "المن بالتربية" في مواجهة الحق:
تدحض المحاكمة العقلية حيلة فرعون؛ فالإحسان الدنيوي الشخصي لا يعطي المحسن حقاً في مصادرة الحقيقة ولا في إسكات كلمة العدل، ولا يبرر استعباد أمة بأسرها.
إذا كان فرعون قد ربى موسى، فإن الله هو الذي ساقه إلى قصره رغماً عنه بعد أن كان فرعون يذبح آلاف الرضع، فكانت تربيته تدبيراً إلهياً لإنقاذ موسى وليكون هلاك فرعون على يديه جزاء وفاقاً.
التمييز بين الوفاء الأخلاقي والمداهنة في الدين:
الوفاء مطلوب في العلاقات البشرية المباحة، لكنه يتحول إلى خيانة وغدر إذا صار ذريعة للسكوت عن الشرك واستعباد المظلومين والاعتراف بآلهة باطلة.
الاستفهام التقريري {أَلَمْ نُرَبِّكَ}: تقرير يحمل في طياته الاستعلاء والتكبر والإدلال بالفضل المادي.
التعبير بـ {وَلِيدًا}: لاستصغار شأن موسى وتحقيره؛ لتذكيره بضعفه القديم حين كان رضيعاً محتاجاً لا حول له ولا قوة.
التنكير في {سِنِينَ}: لإشعار موسى بطول المدة التي أمضاها في نعم فرعون وقصره، لتعظيم جحوده في زعم فرعون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الابتزاز بالمعروف القديم: ألا يسمح الداعية لأحد بأن يساومه على مبادئه وعقيدته بحجة جميل سابق أو مساعدة مادية قديمة؛ فحق الله أعظم من كل حقوق الخلق.
إدراك ألاعيب الخصوم في تحويل مسار المعركة: الانتباه لمحاولات الأعداء تحويل النقاش من القضايا الكبرى (التوحيد والحرية والعدالة) إلى قضايا شخصية وجدالات فرعية لتشتيت الانتباه.
رد الفضل والنعمة لله وحده: أن يعلم المؤمن أن من أحسن إليه من الخلق فإنما هو سبب سخره الله بفضله، فالمنة والفضل أولاً وآخراً لله رب العالمين.