روى الطبري (19/384)مصدر غير محدد١٩/٣٨٤ عن سعيد بن المسيب ومجاهد وقتادة والضحاك: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} قالوا: القلب السليم هو القلب الصحيح الخالص من الشرك والشك والنفاق، المسلِّم لله في أمره ونهيه وقضائه وقدره.
قال ابن كثير (6/154)مصدر غير محدد٦/١٥٤: "أي سليم من الدنس والشرك؛ وقال ابن سيرين: سليم يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؛ وقال سفيان الثوري: بقلب سليم من الشرك والبدعة ليس فيه شيء من الهوى".
قال ابن القيم (الجواب الكافي ص 164): "القلب السليم هو الذي سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره؛ فسلم من عبودية ما سواه، وسلِم من تحكيم غير رسوله صلى الله عليه وسلم، فخلصت عبوديته لله حباً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً وإنابة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{مَنْ}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء؛ وهو استثناء متصل إن كان مستثنى من مفعول {يَنفَعُ} المحذوف تقديره: لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا من أتى الله، أو استثناء منقطع بمعنى (لكن من أتى الله بقلب سليم فإنه ينتفع بإيمانه وماله وولده الصالح).
{أَتَى}: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو).
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{بِقَلْبٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل {أَتَى} (أي متلبساً ومصحوباً بقلب سليم).
{سَلِيمٍ}: نعت لـ {قَلْبٍ} مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ والجملة الفعلية صلة الموصول {مَنْ} لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حصر النجاة في سلامة الباطن:
بعد أن سلب النفع عن أضخم مظاهر القوة المادية الخارجية في الدنيا (المال والبنين)، حصر النجاة والفلاح كله في جوهر الباطن وحقيقة السريرة: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؛ للدلالة على أن يوم القيامة هو يوم كشف الحقائق وتمحيص القلوب، لا اعتبار فيه للمظاهر ولا للأنساب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان الاكتفاء بظواهر الأعمال دون طهارة القلوب:
محاكمة عقلية إيمانية: لو حمل الإنسان ملء الأرض أعمالاً بدنية صالحة، لكن قلبه ملوث بالرياء أو الكبر أو الشك أو الحقد على المؤمنين، لحبط عمله ولم ينفعه شيء؛ فالقلب هو الملك والأعضاء جنوده، فإذا سلم الملك سلمت الجوارح، وبسلامة القلب تقبل الأعمال القليلة وتتضاعف درجاتها، وبفساده ترد الأعمال الجليلة وتصير هباءً منثوراً.
التعبير بـ {أَتَى اللَّهَ}: تصوير رائع لحركة العبد وقدومه على ربه يوم العرض، حاملاً معه أثمن هدية وأعظم وسيلة وهي القلب السليم.
تنكير {قَلْبٍ}: لإفادة التعظيم والندرة؛ أي بقلب فريد في سلامته وصفائه وإخلاصه.
صيغة فعيل في {سَلِيمٍ}: صفة مشبهة تدل على الثبوت والرسوخ والاستمرار؛ فسلامته ليست طارئة عابرة، بل هي سجية لازمة ثبت عليها حتى الممات.
تدبر سلامة القلب: سلامة القلب هي الجنة المعجلة في الدنيا؛ فصاحب القلب السليم يعيش مطمئناً بالله، راضياً بقضائه، سليماً من الغل والحسد، سليم التوحيد من الشبهات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أولوية إصلاح القلوب وتطهير السرائر: ينبغي للمسلم أن تكون عنايته بقلبه أعظم من عنايته بظاهره؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" (رواه مسلم 2564).
تفقد آفات القلوب: محاسبة النفس يومياً على نقاء التوحيد، وخلو القلب من الحسد والبغضاء والشحناء تجاه عباد الله الصالحين.