روى الطبري (19/372)مصدر غير محدد١٩/٣٧٢ عن قتادة: {أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} أي هل تجلب لكم هذه الآلهة نفعاً ورزقاً وعافية إذا عبدتموها، أو تدفع عنكم ضراً وعذاباً ومرضاً إذا تركتموها وعصيتموها؟
قال ابن كثير (6/151)مصدر غير محدد٦/١٥١: "أي: هل لهم قدرة على جلب خير لكم أو دفع شر عنكم؟ ومعلوم أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن أن يملكوا ذلك لغيرهم".
قال الرازي (24/139)مصدر غير محدد٢٤/١٣٩: "ترقى الخليل في درجات المحاجة؛ بدأ بنفي أضعف الحواس وهو السمع، ثم ثنى بنفي أعظم الأفعال التي تُقصد بالعبادة وهي النفع والضر؛ فإن المعبود إما أن يُعبد رغبة في إنعامه أو رهبة من انتقامه، فإذا انتفى الأمران بطلت فائدة العبادة وزال معنى الألوهية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوْ}: حرف عطف يفيد التقسيم والترديد الإلزامي.
{يَنفَعُونَكُمْ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به والميم للجمع؛ والجملة معطوفة على جملة {يَسْمَعُونَكُمْ}.
{أَوْ}: حرف عطف ثانٍ للترديد والتقسيم.
{يَضُرُّونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، ومفعوله محذوف تقديره (يضرونكم) لدلالة ما قبله عليه؛ والجملة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقسيم الحاصر لدوافع العبادة:
حصرت الآيتان (72 و73) جميع بواعث التدين والعبادة في ثلاثة أركان:
القدرة على الإنعام وجلب الخير ({أَوْ يَنفَعُونَكُمْ}).
القدرة على العقاب ودفع السوء والضر ({أَوْ يَضُرُّونَ}).
فلما كان المعبود باطلاً في هذه الثلاثة جميعاً، انهار أصل التدين له بالضرورة العقلية القاطعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
وهم الخوف من غضب الأصنام والأولياء المزعومين:
كانت الأمم الوثنية تخشى أن تصيبها الأصنام بخبل أو ضر إذا تركتها (كما قال قوم هود: {إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ})؛ فجاء سؤال الخليل الحاسم: {أَوْ يَضُرُّونَ}؛ ليبدد شبح هذا الخوف الوهمي، مبيناً أن الحجر المنحوت أعجز من أن يحرك ساكناً أو يدفع عن نفسه ذبابة، فكيف يضر إنساناً حياً؟!
الحصر المنطقي: لو كانت آلهة لحمت نفسها ونفعت عبادها، والواقع المشاهد يكذب ذلك تكذيباً لا يدع مجالاً للشك.
المقابلة البديعية بين {يَنفَعُونَكُمْ} و{يَضُرُّونَ}: طباق إيجاز يحيط بجوانب التأثير الإلهي في الكون، والنفع قُدِّم لأن الرجاء في جلب الخير هو الأصل في توجه النفوس.
حذف مفعول {يَضُرُّونَ}: مراعاةً لفواصل الآيات وسجع القرآن المعجز (تدعون - يضرون - يفعلون)، ولإطلاق الفعل في عموم دفع أي ضر كائناً ما كان.
تدبر التوحيد المالي والقلبي: النافع والضار هو الله وحده، فمن خاف غير الله أو رجا غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله فقد تسرب إلى قلبه شرك الأصنام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلوب من الخوف من المخلوقين: لا نفع ولا ضر بيد أحد إلا بإذن الله؛ فكل الطواغيت والقوى المادية عاجزة عن إيصال ضر لم يقدره الله أو منع نفع ساقه الله.
بناء العقيدة على الأدلة القطعية: الإيمان الحق ليس مجرد مشاعر عاطفية بل هو يقين عقلي وشهود قلبي بأن المعبود كامل في أسمائه وصفاته وأفعاله.