روى الطبري (19/395)مصدر غير محدد١٩/٣٩٥ عن قتادة ومجاهد: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي لا أطلب منكم على نصحي وتبليغي إياكم رسالة ربي مالاً ولا جعلاً ولا جزاءً دنيوياً؛ ما ثوابي وجزائي إلا على خالق الخلق ورب العالمين وحده.
قال ابن كثير (6/156)مصدر غير محدد٦/١٥٦: "أي لا أبتغي منكم جزاءً ولا شكوراً، بل أرجو ثواب ذلك من عند الله رب العالمين الذي خلقني وأرسلني؛ وهذا أعظم دليل على صدق الداعية وإخلاصه وتجرده لله".
قال السعدي (ص 595)مصدر غير محدد٥٩٥: "نفي سؤال الأجر ينفي التهمة عن الداعية؛ فالمبطلون يتهمون المصلحين بطلب الرياسة وأموال الناس، فإذا رأوا تجرده سقطت أعظم شبهاتهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو عاطفة، {مَا}: حرف نفي مبني على السكون.
{أَسْأَلُكُمْ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره (أنا)، والكاف ضمير مفعول به أول، والميم للجمع.
{أَجْرٍ}: مجرور لفظاً بـ {مِن} وعلامة جره الكسرة، منصوب محلاً على أنه مفعول به ثانٍ للفعل {أَسْأَلُكُمْ}؛ والتنكير للتقليل والشمول (أي لا أطلب أدنى أجر).
{إِنْ}: حرف نفي مبني على السكون بمعنى (ما).
{أَجْرِيَ}: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{عَلَىٰ}: حرف جر يفيد الالتزام والوجوب التفضلي من الله لرسله.
{رَبِّ}: اسم مجرور بعلى وعلامة جره الكسرة، والجار والمجرور في محل رفع خبر المبتدأ {أَجْرِيَ}، وهو مضاف.
{الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ وجملة الحصر تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إزالة أكبر حواجز القبول النفسي لدى المدعوين:
اعتاد الناس أن يربطوا بين سعي الساعين وبين تحقيق مكاسب مالية أو وجاهة سلطوية؛ فقطع نوح هذا الظن من جذوره بنفي طلب الأجر، ثم ثنى بقصر طلبه للأجر على رب العالمين؛ ليعلموا أن دعوته رحمة مجانية مهداة لنجاتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التجرد المالي كأقوى براهين النبوة:
محاكمة عقلية منيرة: لو كان نوح كاذباً متقولاً، فلماذا يتعب نفسه ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ويتحمل السخرية والأذى والتهديد بالرجم دون أن يطلب درهماً واحداً أو منصب رياسة؟! العاقل لا يبذل حياته مجاناً في باطل يجر عليه العداوات؛ فالتجرد المالي المطلق برهان قاطع على أن الباعث هو الوحي الصادق من رب العالمين.
تأكيد النفي بـ {مِن} الزائدة: {مِنْ أَجْرٍ}؛ لنفي أدنى طمع حتى لو كان كلمة شكر أو هدية عابرة.
القصر البليغ بـ {إِنْ... إِلَّا}: حصر تام لجهة الجزاء في الله وحده، وهو كمال التوكل وعزة النفس الإيمانية.
تدبر عزة الدعوة: الداعية الذي لا يمد عينه إلى أموال الناس يكون كلامه أشد نفاذاً في القلوب من وقع السهام؛ لأن القلوب جبلت على إجلال الزاهدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إخلاص النية لله وتطهير الدعوة من الطمع: على الدعاة والمربين أن يجعلوا عملهم خالصاً لوجه الله، وأن لا يجعلوا الدين وسيلة للتكسب وجمع حطام الدنيا الزائل.
الاستغناء بالرازق الحق: من وكل أمره إلى رب العالمين كفاه الله ورزقه من حيث لا يحتسب، وأورثه هيبة في قلوب الخلق.