روى الطبري في جامع البيان (19/332)مصدر غير محدد١٩/٣٣٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} أي فعلت تلك القتلة حينئذ وأنا من الجاهلين الذين لم يوحَ إليهم بعد، وقيل: من الناسين لعاقبة ذلك، وقيل: من المخطئين الذين لم يتعمدوا القتل، ولم أكن أعلم أنها ستبلغ إزهاق روحه؛ ولم يكن ضلال كفر وشرك، بل ضلال خطأ وجهل بالحكم قبل نزول الشريعة.
قال ابن كثير (6/140)مصدر غير محدد٦/١٤٠: "أي فعلتها في تلك الحالة، ولم أكن نبياً ولا يوحى إليّ، بل كنت من الجاهلين بأن وكزتي ستقتله، ومن المخطئين في ذلك؛ كقوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ} أي غافلاً عما يراد بك من النبوة فهداك إليها؛ وموسى عليه السلام لم ينكر الواقعة بل أقر بها بشجاعة واعتذر بالخطأ".
بين القرطبي (13/100)مصدر غير محدد١٣/١٠٠: مذهب أهل السنة قاطبة أن الأنبياء معصومون من الكفر والكبائر عمداً؛ والضلال هنا معناه الذهاب عن علم عواقب الأمر، أو الخطأ المحض، أو الغفلة عن التشريع قبل البعثة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو (موسى).
{فَعَلْتُهَا}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والهاء مفعول به عائد على القتلة أو الفعلة.
{إِذًا}: حرف جواب وجزاء مبني على السكون، والمعنى: حينئذ في ذلك الوقت السابق.
{وَأَنَا}: الواو حالية، "أنا" ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{مِنَ الضَّالِّينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل فعلت. والضلال في اللغة: العدول عن الصواب خطأً أو عمداً، ويطلق على النسيان والغفلة كما في قوله: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الصدق القرآني المزلزل وشجاعة الاعتراف: موسى عليه السلام لم يراوغ ولم ينكر الواقعة كما يفعل السياسيون والمجرمون، بل فاجأ فرعون بجرأة نادرة: نعم، {فَعَلْتُهَا}؛ ولكنه فسر طبيعتها بأنها خطأ سابق في زمن ما قبل الرسالة؛ ليقطع الطريق على فرعون في استغلالها كورقة ابتزاز.
التمهيد لبيان التحول العظيم بالنبوة: اعترافه بالخطأ السابق في الآية (20) مهد لبيان الفضل الإلهي والاصطفاء بالنبوة في الآية التالية (21): {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ}؛ فالعبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير عصمة الأنبياء ودفع تهمة ارتكاب الكبائر:
ادعت بعض الفرق المنحرفة أن موسى كان كافراً أو فاسقاً لقوله: {وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}.
رد أئمة السنة والتحقيق العقلي بأن لفظ "الضلال" مشترك لفظي في لغة العرب يطلق على معانٍ متعددة:
قوة الإقرار الصادق بـ {فَعَلْتُهَا}: كلمة تقطع كل حبائل الكيد؛ لأن الاعتراف بالحق فضيلة تسلب الخصم سلاح التشهير.
التقابل الزمني بين {إِذًا} والآن: تحديد الظرف بـ {إِذًا} للفصل التام بين مرحلتين: مرحلة ما قبل الوحي حين كان بشراً يجري عليه الخطأ، ومرحلة النبوة والاصطفاء الرباني الحاضر.
تدبر كرم الله في الاصطفاء: الله سبحانه يغفر الزلات السابقة لمن صدق وتاب، ويرفعه بالوحي والإيمان إلى أعلى المراتب؛ فلا يحتقر أحدٌ تائباً لذنبه القديم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فضيلة الشجاعة والاعتراف بالخطأ: أن يتحلى الداعية والمربي بالصدق والجرأة في الاعتراف بما فرط منه في الماضي دون مكابرة ولا إنكار، وتوضيح السياق الصحيح للناس.
عدم الاستسلام لعقدة الذنب الماضي: ألا تجعل النفس من أخطاء الماضي عائقاً يمنعك من التقدم وخدمة دين الله بعد التوبة والاستقامة.
التواضع لله وإدراك الضعف البشري: استشعار العبد لافتقاره الدائم إلى هداية الله، وتذكر فضل الله في نقله من ظلمات الجهل إلى نور العلم والرسالة.