روى الطبري (19/331)مصدر غير محدد١٩/٣٣١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ} يريد بها قتله للقبطي وكزه فمات؛ وكنّى عنها بالفعلة تهويلاً لشأنها وتعظيماً لجرمها؛ {وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} وله وجهان مأثوران:
الوجه الأول: الكافرين بنعمتي وإحساني وتربيتي لك في القصر، الجاحدين لفضلي.
الوجه الثاني: الكافرين بآلهتنا وديننا الذي كنا عليه وما نحن عليه من الشرك.
قال ابن كثير (6/140)مصدر غير محدد٦/١٤٠: "أي وقتلت ذلك الرجل من القبط، وهربت منا، وأنت جاحد لنعمتنا، كافر بإحساننا؛ وهذا إلحاح من فرعون في وصم موسى بالجناية ونكران الجميل والتمرد القضائي، ليحرض عليه الحاضرين من ملئه".
بين القرطبي (13/99)مصدر غير محدد١٣/٩٩: القراءة في {فَعْلَتَكَ} بفتح الفاء لجميع القراء، وهي المرة الواحدة من الفعل؛ أي الجناية الفظيعة المفردة التي ارتكبتها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَفَعَلْتَ}: الواو عاطفة، فعلت فعل ماض والتاء فاعل.
{فَعْلَتَكَ}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة وهو مضاف، والكاف مضاف إليه؛ وهي اسم مرة على وزن فَعْلة بفتح الفاء، يراد بها قتلة القبطي.
{الَّتِي}: اسم موصول نعت لـ "فعلتك" مبني على السكون في محل نصب.
{وَأَنتَ}: الواو حالية، "أنت" ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مِنَ الْكَافِرِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والواو والنون علامة الجمع؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء "فعلت". والكفر هنا كفران النعمة أو الكفر العقدي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استكمال لائحة الاتهام الفرعونية: بعد أن بدأ بتذكيره بنعمة التربية واللبث في القصر، ثنّى بفتح الملف الجنائي وإبراز تهمة القتل والخيانة؛ لتأليب الرأي العام وإسقاط هيبة موسى أمام الحاشية.
الإبهام للتهويل: لم يقل "وقتلت القبطي"، بل قال: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ} بأسلوب التكرار الإبهامي؛ لإيقاع الرعب في النفوس وإظهار الجريمة وكأنها فاحشة لا يستطيع اللسان وصف شناعتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك تهمة "كفر النعمة" والقتل:
محاكمة ذكية تكشف تلاعب الأنظمة المستبدة؛ فرعون الذي قتل مئات الآلاف من الرضع والأطفال بدم بارد دون أي ذنب، يتظاهر هنا بالورع والحرص على العدالة ويقيم الدنيا ويقعدها من أجل مقتل رجل قبطي واحد اعتدى على إسرائيلي مظلوم فمات خطأً دون قصد القتل!
هذا الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير هي ديدن الطغاة في كل زمان؛ يستحلون دماء الشعوب ثم يصفون دفاع المستضعفين عن أنفسهم بالإرهاب والجريمة ونكران الجميل.
رد شبهة الكفر عن موسى:
موسى عليه السلام كان موحداً مؤمناً مخلصاً لله حتى قبل بعثته بالرسالة، ولم يكن يوماً في دينه على شرك فرعون ولا كافراً بالله، فقول فرعون {وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} إما كفر النعمة بنزع فضل فرعون، أو هو حكم من فرعون بوجهة نظره الشركية الباطلة.
الإبهام والتهويل في قوله: {فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ}: أسلوب بلاغي رفيع في التعظيم والتهويل، كقولهم: "كان ما كان"، و"حدث الأمر الذي حدث"، لتحميل الفعل أقصى درجات البشاعة.
الختام بـ {الْكَافِرِينَ} بصيغة الجمع: لوضع موسى في خانة المتمردين اللئام المنبوذين مجتمعياً.
تدبر فجور الخصومة: الطاغية يستعمل كل بطاقات التشويه الأخلاقي والقضائي ضد المصلحين، حتى ينسى الناس جوهر الدعوة ويشتغلوا بمحاكمة الداعية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعداد للشيطنة الإعلامية والاتهامات الباطلة: أن يوطن الداعية نفسه على أن الخصوم سيبحثون في ماضيه وتاريخه عن أي هفوة أو زلة ليشوهوا بها دعوته ويصرفوا الناس عن الحق.
الثبات ورباطة الجأش عند مواجهة الاتهامات: عدم الجزع أو الارتباك إذا فتحت الأنظمة الظالمة ملفات سابقة أو ألصقت بأهل الحق تهماً ملفقة؛ فالأنبياء واجهوا ذلك بصبر وشموخ.
كشف ازدواجية معايير الباطل: فضح جرائم المعتدين الكبرى التي يغطون عليها بالتباكي على أحداث صغيرة، وإعادة البوصلة إلى القضايا الجوهرية.