أخرج الطبري (19/411)مصدر غير محدد١٩/٤١١ عن مجاهد وقتادة في قوله: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}، قالا: عُزلوا عن استراق السمع من السماء حين بعث محمد ﷺ؛ إذ رُميت السماء بالشهب وحُرست بالملائكة، فمن دنا احترق ولم يصل إلى شيء من خبر السماء.
وأخرج البخاري في صحيحه (رقم 4701)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٠١، ومسلم (رقم 449)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٩ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها... الحديث في استماع الجن للقرآن بنخلة وإيمانهم به.
وقال ابن كثير (6/168)مصدر غير محدد٦/١٦٨: "أي معزولون عن سماع الوحي حين تنزله؛ لأن السماء ملئت حرساً شديداً وشهباً فلم يقدر شيطان على استراق حرف واحد لئلا يشتبه الأمر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{مَعْزُولُونَ}: اسم مفعول من العزل، وهو التنحية والإبعاد والفصل بين الشيئين، بحيث لا يبقى بينهما اتصال ولا ملابسة.
{السَّمْعِ}: مصدر أُريد به المسموع أو الحاسة؛ أي معزولون عن استماع كلام الملائكة والوحي الإلهي في الملأ الأعلى.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{إِنَّهُمْ}: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسم إن.
{عَنِ السَّمْعِ}: جار ومجرور متعلق باسم المفعول {لَمَعْزُولُونَ}.
{لَمَعْزُولُونَ}: اللام المزحلقة للتوكيد، {مَعْزُولُونَ} خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعليل الحاسم لانتفاء الاستطاعة:
لما قال في الآية السابقة: {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ}، علل هذا العجز ببيان سببه القاطع وهو عزلهم التام عن الاستماع: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}.
فإذا كانوا ممنوعين محجوبين عن أصل السماع، فكيف يستطيعون اختلاسه والنزول به إلى الأرض؟! وهذا برهان عقلي حاسم يبطل أصل توهم الكهانة في القرآن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انقطاع الاتصال بين الشياطين والوحي:
محاكمة حاسمة: الكهانة كانت تقوم على اختطاف كلمة واحدة من مائة كذبة كما في الحديث الصحيح، أما القرآن فهو تنزيل محكم مفصل لا يتطرق إليه الكذب ولا التناقض. ومع بعثة النبي ﷺ شُددت الحراسة حتى حُرموا من أدنى درجات الاستماع؛ فبطلت الكهانة بالكلية وانقطعت حجج المفترين.
تقديم الجار والمجرور {عَنِ السَّمْعِ} على الخبر لإبراز موضع الحرمان والمنع، وللاهتمام به واختصاص العزل عن أشرف مسموع وهو الوحي.
صيغة اسم المفعول {مَعْزُولُونَ} تدل على وجود قاهر عزلهم بقوته وحكمته وهو الله سبحانه وتعالى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين مصادر التلقي والحماية الإلهية:
الله تعالى يحفظ أصول دينه ويحمي ينابيع الهداية من عبث العابثين، وعلى المؤمن أن يستشعر هذه الرعاية الربانية لكتاب ربه.
درس في تنقية القلوب: كما حُجبت الشياطين عن سمع الوحي، فإن القلوب التي تألف الفسق والشبهات تُحجب وتُعزل عن فهم أسرار القرآن وحلاوة تدبره، فالطهارة شرط للانتفاع.