روى الطبري (19/426)مصدر غير محدد١٩/٤٢٦ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} قالوا: أتموا الكيل تاماً وافياً بالعدل إذا كلتم للناس، ولا تنقصوا الكيل فتخسروا الناس حقوقهم وأموالهم وتكونوا من المطففين الذين يخسرون الميزان والمكيال؛ وكان أصحاب الأيكة إذا كَالوا لأنفسهم على الناس استوفوا وزادوا، وإذا كَالوا للناس أنقصوا وبخسوا.
قال ابن كثير (6/163)مصدر غير محدد٦/١٦٣: "يأمرهم تعالى بإيفاء الكيل وإتمامه، وينهاهم عن نقصه وبخس الناس فيه، كما قال تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}".
قال القرطبي (13/125)مصدر غير محدد١٣/١٢٥: "الإيفاء: إعطاء الحق كاملاً بلا نقص؛ والمخسر: هو الذي ينقص المكيال والميزان فيوقع غيره في الخسارة، أو يخسر نفسه بنار جهنم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوْفُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل؛ والإيفاء: الإتمام والبلوغ بالشيء حده التام.
{وَلَا}: الواو عاطفة، {لَا}: حرف نهي وجزم مبني على السكون.
{تَكُونُوا}: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ {لَا} وعلامة جزمه حذف النون، والواو ضمير متصل اسمها.
{مِنَ}: حرف جر.
{الْمُخْسِرِينَ}: اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور في محل نصب خبر {تَكُونُوا}؛ والمخسرون: جمع مخسِر، اسم فاعل من أخسر، أي أوقع النقص والخسارة في الكيل أو أهلك نفسه بالظلم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع بين الأمر بالواجب والنهي عن ضده:
جمعت الآية بين أمرين لتوكيد الحكم وإحكامه:
الأمر الإيجابي بالإيفاء: {أَوْفُوا الْكَيْلَ}.
النهي السلبي عن النقص: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ}.
لقطع الطريق على كل تحايل؛ فلا يكفي مجرد تجنب النقص الفاحش، بل لا بد من الإتمام الكامل الوافي للحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التطفيف سرقة مقنعة وخراب للاقتصاد:
محاكمة اقتصادية وأخلاقية: المطفف يسرق أموال الناس بحبات المكيال ودقائق الميزان مستغلاً ثقة المشتري؛ وهذا أخبث من السرقة المباشرة لأنه غدر وخيانة مقنعة تهدم الثقة في الأسواق؛ فإذا انعدمت الثقة بارت التجارة وفشت العداوات وفسد المعاش؛ فالأمر بإيفاء الكيل هو حماية لمنظومة التبادل التجاري برمتها.
التعبير بـ {الْمُخْسِرِينَ} بدلاً من "الناقصين": إشارة إلى أن التطفيف يورث خسارتين: خسارة للمشتري في ماله، وخسارة فادحة للبائع في دينه وآخرته بدخول جهنم.
صيغة الجمع في {الْمُخْسِرِينَ}: دلالة على أن التطفيف عندهم كان ظاهرة عامة وسلوكاً مؤسسياً تواطأ عليه تجار الأيكة.
تدبر عظمة التشريع القرآني: كيف ينزل الوحي ليضبط تفاصيل التعامل في الأسواق بالصاع والميزان؛ فالإسلام دين ينظم كل ذرة في حياة البشر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب الأمانة في الكيل والوزن: التطفيف في الميزان أو القياس أو السلع من كبائر الذنوب؛ والواجب على كل تاجر وموظف إعطاء الحقوق وافية غير منقوصة.